أطباء السوشيال ميديا.. «شبكة مزيفين» تتاجر بصحة المصريين

صورة أرشيفية

الإثنين، 08 يونيو 2026 - 05:27 م

هاجر زين العابدين

لافتات إعلانية تعلو البنايات تخبر المارة بأن بها طبيب متخصص في علاج الأمراض، كل حسب تخصصه، باتت تجذب المارة الباحثين عن طريق الشفاء، متشبثين بأي طوق نجاة، إلا أنهم لسوء حظهم وقعوا ضحايا للنصابين الذين اتخذوا من «البالطو الأبيض» معطفاً ليتواروا خلفه حاملين جهلاً يقتل دون أي رحمة بالمرضي . وتحولت رحلة الشفاء، لرحلة محفوفة بالمخاطر، فبين الحين والآخر، تفيق البيوت المصرية على صدمة مروعة «الطبيب الشهير» الذي وثقوا به وسلموه أجسادهم وأسرارهم، ليس سوى محتال لا يحمل من الطب إلا لافتة نحاسية برّاقة. ظاهرة انتحال صفة الطبيب، لم تعد مجرد حوادث فردية عابرة، بل باتت ظاهرة مقلقة تتصدر عناوين الصحف، وتطرح تساؤلات حارقة حول غياب الرقابة الصارمة، والآليات التي تمكن هؤلاء الدخلاء من التسلل إلى أقدس المهن الإنسانية.   ◄ القبض على «كوتش منه»   داخل محافظة الجيزة، وعلى بُعد خطوات من ميدان الريدي وتحديداً أول شارع الشيخ زايد، ستجد لافتة تخبرك أن هنا مركز «منة فيت سيشن» خاص لاستشارات التغذية الصحية. لم تكن صاحبة المركز طبيبة، أو درست الطب فهي خريجة كلية الحقوق، وسبق وتم شطبها من نقابة المحامين، لكنها بعد حصولها على ماجستير التغذية الصحية من كلية الزراعة بجامعة القاهرة، قامت بفتح مركز متخصص في التغذية العلاجية، قررت ممارسة مهنة الطب والتلاعب بأرواح المرضي. لم تكتف «كوتش منه» بممارسة مهاراتها في مركز واحد، بل آثرت أن يعم فكرها داخل ستة أفرع من المراكز العلاجية الخاصة بها بمنطقة المهندسين والشيخ زايد والتجمع وزهراء المعادي ومدينة نصر وشيراتون . ليس هذا فحسب، بل رحمة منها بالمرضي خصص المركز عرض جذاب وهو «عرض يونيو» الجاري بـ1250 بدلاً من 2440 جنيهًا للاستشارة، والتي لم تتجاوز مدتها 45 دقيقة شاملة قراءة الفحوصات، قياسات الجسم، ونظام غذائي مفصل للحالة. أما المتابعة الأونلاين، يتيح المركز «باكدج Full Fit» الاقتصادية لـ 3 أشهر بسعر 1500 جنيه، وهناك «باكدج Full Fit الذهبية» 3 أشهر بمتابعة يومية بسعر 3000 جنيه، بينما يصل سعر الاشتراك في الشهر الواحد لـ 800 جنيه. تدير الطبيبة المزيفة قناة على يوتيوب، ومنصات التواصل الاجتماعي، تضم آلاف المتابعين، وتستغلها في نشر محتوى طبي مضلل وخطير وهو المحتوى ذاته الذي كشف عن جهلها، حيث أدعت في إحدى محتواها أنها تمكنت من وقف نزيف لمريضة أخبرها ستة أطباء بضرورة خضوعها لعملية جراحية، لاستئصال الرحم، لكنها تمكنت من وقف النزيف خلال 3 أسابيع، عن طريق معالجة هرمون الاستروجين دون الحاجة لأي تدخل جراحي. وردًا على مزاعم الطبيبة المزيفة، أدانت نقابة الأطباء، روايتها حول مسببات نزيف الرحم، مؤكدة أنها لا أساس لها من الصحة العلمية وبعد الكشف عن هويتها الحقيقية، أغلقت وزارة الصحة مركزها.    اقرأ ايضا| «وش وضهر» يتحول إلى حقيقة.. قصة الطبيب المزيف في عيادة التجمع   وصرح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن المركز كان يعمل بدون ترخيص مخالفةً لقانون تنظيم المنشآت الطبية رقم 53 لسنة 2004، وتم ضبط المنتحلة أثناء قيامها بالكشف الطبي على إحدى المريضات مقابل 1500 جنيه مصري، كما تم تحريز ميزان طبي داخل العيادة.   ◄ نماذج من "مسرح العبث" الطبي   تتعدد القصص والوجوه، لكن النتيجة واحدة ألا وهي  تدمير صحة الأبرياء والاتجار بآلامهم، وفيما يلي رصد لأبرز النماذج الحية التي كشفتها الأجهزة الأمنية والرقابية مؤخرًا:   ◄ جراح قلب خريج كلية الألسن    منذ أيام ألقت الأجهزة الأمنية، القبض على طبيب مزيف ذاع صيته مؤخراً أنه أشهر جراح قلب «و.ا»، وكشفت التحريات بأنه سبق فصله من كلية الألسن، وأنه استخرج مستندات مزورة لعمل بطاقات رقم قومي ببيانات غير صحيحة، حتى أصبح يقدم نفسه للآخرين باعتباره طبيبًا متخصصًا في جراحات القلب وأستاذًا جامعياً ورئيس قسم جراحة القلب بجامعة عين شمس.   اقرأ ايضا| السجن المشدد 10 سنوات للطبيب المزيف بالإسكندرية لاتهامه بالتزوير    بدأت رحلة التزوير منذ عام 2015، واستمرت حتى عام 2022، حيث دوّن المتهم بيانات مهنية مزيفة داخل استمارات استخراج بطاقات الرقم القومي، مدعيًا في البداية أنه طبيب بشري حر، قبل أن يرفع سقف ادعاءاته لاحقًا ويثبت في بطاقات أخرى أنه مدرس بقسم جراحات القلب بكلية الطب جامعة عين شمس، حتى تمكنت الأجهزة الأمنية، من إلقاء القبض عليه، وذلك لتنفيذ حكم قضائي نهائي بالسجن لمدة 10 سنوات.   ◄ مأساة الإسكندرية ضحية طبيب الأورام المزيف   في واقعة صادمة تعود لعام 2025، سقط محتال في منطقة المنتزة بالإسكندرية كان يمارس مهنة الطب بشهادة تخرج مزورة منسوبة لكلية الطب، استمر لسنوات حتي ذاع صيته، لكن المتاجرة بصحة الناس لا تدوم طويلا، فقد تسبب هذا النصاب - الحاصل فقط على دبلوم فني - في وفاة طفلة بريئة بعد أن وصف لها علاجاً خاطئاً تسبب في تدهور حالتها الصحية ووفاتها.   ◄ طبيب سمنود خريج الابتدائية وصاحب العاهات   شهدت محافظة الغربية نموذجاً صارخاً للمأساة، حيث أدار شخص  يدعى محمود البحراوي يحمل فقط "الشهادة الابتدائية" مركزاً طبياً داخل منزله لمدة عامين كاملين، موهماً أهل القرية بقدرته على علاج الأمراض عبر إبر صينية ووصفات مجهولة جلبها من الخارج، لينتهي به المطاف خلف القضبان بعد أن تسبب في إحداث عاهات مستديمة لعدد من المرضى.   ◄ أطباء السوشيال ميديا   لم يعد الاحتيال باسم الطب، يتطلب وجود عيادة؛ بل انتقل إلى الفضاء الإلكتروني، وقد تقدمت نقابة الأطباء مؤخراً ببلاغات للنائب العام ضد شخصيات ومنتحلي صفة يروجن لوصفات وعلاجات مضللة عبر «الاستشارات أونلاين»، محققات ملايين المشاهدات على حساب صحة المواطنين وسلامتهم. تطرح هذه الكوارث تساؤلاً جوهرياً: كيف ينجح هؤلاء في النصب لسنوات دون كشفهم؟ الإجابة على هذا السؤال، تكمن في تشابك المسؤوليات؛ فنقابة الأطباء تعلن مراراً وتكراراً أنها لا تملك سلطة "الضبطية القضائية" لتفتيش العيادات، وأن المسؤولية تقع بالكامل على عاتق إدارة "العلاج الحر" بوزارة الصحة والجهات الأمنية. ومن الناحية القانونية، يرى خبراء القانون أن العقوبات الحالية تحتاج إلى تغليظ رادع؛ فانتحال الصفة مجرداً قد يعامل كجنحة، لكنه يتحول إلى جناية تزوير في أوراق رسمية وسجن مشدد إذا اقترن بشهادات مزورة، بل ويصل إلى التكييف القانوني كـ «قتل خطأ» أو «شروع في القتل» إذا ترتب على الوصفات الطبية عاهة مستديمة أو وفاة. باتت مواجهة هذا الوباء الأخلاقي لا تقف  على الحملات الأمنية فحسب، بل على وعي المواطن نفسه. نقابة الأطباء في مصر أطلقت روابط إلكترونية لتلقي الشكاوى والتحقق من قيد الأطباء، وهي الخطوة التي يجب أن تصبح ثقافة عامة؛ فلا يجوز تسليم أجسادنا لأي شخص لمجرد أنه يرتدي معطفاً أو يملك لافتة عريضة.