أفاعى «الإخوان» (15) .. على عشماوى.. قائد التنظيم الخاص المنشق

أحمد هاشم

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 - 09:41 ص

أحمد هاشم

شهدت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية تحولات هيكلية كبرى بعد عام 2013 أدت إلى ظهور ما عُرف بـتيار العمل النوعى أو اللجان النوعية، وهو الجناح الذى تبنى الصدام المسلح مع الدولة بشكل مباشر، ومن أبرز القيادات الإخوانية التى تبنت استراتيجيات العنف محمد كمال مؤسس اللجان النوعية، ومحمد بديع المرشد العام الثامن للجماعة، ومحمود عزت القائم بأعمال المرشد العام بعد القبض على بديع، بالإضافة إلى محمد البلتاجى وصفوت حجازى، فهؤلاء قادوا عمليات إعادة الهيكلة نحو العمل المسلح رداً على سقوط حكم الجماعة. ولم يكن هذا جديدًا على التنظيم الإخوانى، لأنه منذ نشأته على يد المؤسس والمرشد الأول حسن البنا كان يضم قيادات للجناح المسلح بالجماعة "النظام الخاص" الذى أسسه حسن البنا بنفسه. على عشماوى أحد الشخصيات المحورية والمثيرة للجدل فى تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، ويرتبط اسمه بشكل وثيق بـاتنظيم 1965ب (المعروف تاريخياً بتنظيم سيد قطب)، وليس بالنظام الخاص القديم الذى نشأ فى الأربعينيات من القرن الماضى، فالنظام الخاص القديم هو الجهاز العسكرى الذى أسسه حسن البنا فى الأربعينيات وقاده عبد الرحمن السندى، وتم حلّ هذا الجهاز عملياً بعد صدام الجماعة مع ثورة يوليو فى 1954، ولم يكن على عشماوى قائداً فى النظام الخاص القديم نظراً لصغر سنه حينها، أما تنظيم 1965 فهو التنظيم السرى الجديد الذى أُعيد بناؤه فى نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضى، وكان على عشماوى رئيس القيادة التنفيذية (العسكرية) لهذا التنظيم، بينما كان سيد قطب المفكر وواضع الأيديولوجية للتنظيم. ولعب عشماوى دورًا فى إحياء تنظيم 1965 الذى بدأت فكرة إحيائه داخل السجون وخارجها بعد ضربة 1954، عندما رأى بعض الشباب ضرورة تشكيل تنظيم لمواجهة الدولة، حيث نجح على عشماوى رفقة مجموعة من القيادات الشابة مثل عبد الفتاح إسماعيل وأحمد عبد المجيد وصبرى عرفة فى إعادة تجميع خلايا الإخوان وتشكيل هيكل قيادى جديد. وبعد خروج سيد قطب من السجن بعفو صحى عام 1964 التقى به على عشماوى ومجموعته، وعرضوا عليه قيادة التنظيم وإمداده بالرؤية الفكرية، فوافق قطب وأصبح الأب الروحى والمرجعية العليا له، بينما تولى عشماوى إدارة الشؤون الإجرائية والعسكرية والتدريب، حيث أشرف على جمع الأسلحة، وتدريب الأعضاء على اللياقة البدنية، وتأمين الاتصالات بين الخلايا بالمحافظات المختلفة. عندما سقط على عشماوى فى قبضة الأمن أدلى فى التحقيقات باعترافات تفصيلية كاملة عن الهيكل التنظيمى، وأماكن تخزين السلاح، وأسماء الأعضاء، ومخططات التفجير، وهذه الاعترافات ساهمت بشكل مباشر فى إحكام القضية ضد سيد قطب وباقى القيادات، والوصول إلى الخلايا العنقودية للتنظيم. وحُكم على على عشماوى بالإعدام فى قضية تنظيم 1965، ولكن نظراً لتعاونه الكامل واعترافاته خُفف الحكم عنه إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، بينما نُفذ حكم الإعدام فى سيد قطب، وعبدالفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش. وبعد خروجه من السجن أعلن على عشماوى انشقاقه ومراجعته الفكرية لفكر الجماعة وسيد قطب، وأصدر كتاباً شهيراً بعنوان "التاريخ السرى لجماعة الإخوان المسلمين: مذكرات آخر قادة التنظيم الخاص". وفى هذا الكتاب قدم شهادة تاريخية اعتبرها الكثيرون إدانة واضحة لفكر التكفير والجاهلية، الذى تبناه تنظيم ١٩٦٥، ووصف فيه كيف تحول التنظيم من الدعوة إلى التخطيط للعنف، وكيف تسببت هذه الأفكار فى صدام دموى مع الدولة والمجتمع. ووفقاً لتحقيقات النيابة العامة عام 1965 فى قضية تنظيم سيد قطب وشهادات عشماوى نفسه لاحقاً فى مذكراته كان التنظيم يتبنى استراتيجية الرد الفورى إذا ما حاولت السلطة اعتقال أفراده، وتضمنت الخطط التى أشرف عليها عشماوى أو شارك فى وضعها استهداف المنشآت الحيوية، حيث خطط التنظيم لتفجير قناطر الدلتا، ومحطات الكهرباء مثل محطة شمال القاهرة، ومقرات العمل العامة لشل حركة الدولة ومنعها من القبض على عناصرهم، كما شملت الخطط قائمة اغتيالات على رأسها رئيس الجمهورية آنذاك جمال عبدالناصر، والمشير عبدالحكيم عامر، ورئيس الوزراء على صبرى وعدد من قيادات المخابرات والشرطة، بالإضافة إلى بعض الإعلاميين والفنانين مثل أم كلثوم. وقاد عشماوى عمليات شراء وتخزين الأسلحــة والذخائر والمـــواد المتفجــرة مـــثل النيتروجلســرين وتوزيعــها علــى مخابئ سرية. وفى صيف عام 1965 اكتشفت الأجهزة الأمنية التنظيم، وتم إلقاء القبض على كافة قياداته. وفى كتابه "التاريخ السرى لجماعة الإخوان المسلمين: مذكرات آخر قادة التنظيم الخاص"، قدّم على عشماوى شهادة حية ومثيرة للجدل من داخل المطبخ التنظيمى للإخوان، ورغم أن العنوان يدمج مصطلح التنظيم الخاص، إلا أن عشماوى يوضح فى المتن أنه يقصد تنظيم 1965 الذى ورث الروح العسكرية والسرية للنظام الخاص القديم الذى انتهى عام 1954. ويركز الكتاب بشكل تفصيلى على طبيعة دوره القيادى، وآليات إدارة هذا التنظيم السرى، وكيف تحول من مجموعات "تثقيفية وحماية" إلى تنظيم مسلح يخطط لصدامٍ دامٍ مع الدولة. وألقى عشماوى فى كتابه الضوء على دوره فى قيادة التنظيم ومخططاته وإعادة الهيكلة والقيادة التنفيذية، حيث روى عشماوى فى مذكراته أنه بعد خروجه من السجن فى أواخر الخمسينيات وجد حالة من الشتات بين أفــراد الإخــوان، وأنه تولــى ومجموعة من القـيادات الشابة أبرزهم أحمد عبدالمجيد وصبرى عرفه، مهمة إعادة لم الشمل وتأسيس القيادة التنفيذية العليا. وقال عشماوى إنه تولى بنفسه هندسة قنوات الاتصال بين الخلايا فى المحافظات عبر نظام االمجموعات العنقوديةب المنفصلة، لضمان عدم سقوط التنظيم كاملاً إذا كُشفت خلية واحدة. ووصف عشماوى بالتفصــيل كيــف ذهــبوا إلى ســيد قطـــب بعد خروجه من السجن عام 1964 ليقنعوه بقيادة التنظيم، وأوضح أن قطب أصبح الرأس المفكر والمشرّع الأيديولوجى، بينما كان عشماوى القائد الميدانى والتنفيذى المسؤول عن تحويل أفكار قطب مثل الحاكمية وجاهلية المجتمع  إلى خطط حركية على الأرض. وأفرد عشماوى فصولاً كاملة لكيفية إدارته للملف العسكرى للتنظيم، حيث كان المشرف الأول على جمع وشراء الأسلحة، ويذكر كيف قام بالتواصل مع مهربين وأفراد فى المناطق الحدودية وسيناء لشراء كميات من الأسلحة والذخائر. كما تحدث فى كتابه عن رعاية التنظيم لإنتاج المتفجرات محلياً، وتحديداً مادة النيتروجلسرين، والإشراف على تجارب تصنيع القنابل لاستخدامها فى العمليات، وأنه تولى تنظيم معسكرات تدريبية سرية للشباب فى الصحراء والمناطق النائية لرفع اللياقة البدنية والتدريب على استخدام السلاح الخفيف وتكتيكات حرب العصابات. ومن أخطر ما ورد فى المذكرات اعتراف عشماوى بالخطط الممنهجة التى وضعها التنظيم تحت قيادته لشل حركة الدولة المصرية فى حال قرر الأمن اعتقال قياداتهم، وهو ما أطلقوا عليه خطة الرد الفورى، وشملت هذه الخطط نسف المرافق الحيوية، حيث تم التخطيط لتفجير قناطر الدلتا لإغراق مساحات واسعة وشل حركة المواصلات، وتفجير محطات الكهرباء الرئيسية فى القاهرة لإدخال العاصمة فى ظلام تام. وأقر عشماوى باستهداف الرئيس جمال عبدالناصر، والمشير عبدالحكيم عامر، وقيادات المخابرات والداخلية، بالإضافة إلى خطط لتصفية شخصيات عامة ومذيعين لمنع الدولة من توجيه الرأى العام. ويكشف عشماوى فى المذكرات عن لحظة الصدمة عندما تم اعتقاله فى صيف 1965، ويعترف صراحة بالآتى الانهيار النفسى والتنظيمى، ووصف كيف تهاوت معنويات أفراد القيادة عند مواجهة التحقيقات، وكيف أدى نظام السرية الصارم إلى شكوك متبادلة بين الأعضاء داخل السجن. وبرر عشماوى قيامه بالإرشاد عن مخابئ السلاح، وأسماء الأعضاء، وتفاصيل المخططات للنيابة العامة بأنه أدرك خطورة الطريق الذى كانوا يسيرون فيه، ورأى أن فكر التكفير الذى تبناه التنظيم سيؤدى إلى هلاك المجتمع والجماعة معاً، وقد ساهمت اعترافاته التفصيلية فى إحكام القضية ضد سيد قطب الذى أُعدم، بينما خُفف الحكم عن عشماوى إلى المؤبد لتعاونه. وفى الجزء الأخير من الكتاب قدم عشماوى نقداً لاذعاً للفترة التى قاد فيها التنظيم، كما كان يرى أن كتاب سيد قطب "معالم على الطريق" كان بمثابة البيان العسكرى الذى قاد الشباب نحو العزلة الشعورية وتكفير المجتمع وتبرير العنف ضد الدولة، ووصف التنظيم بأنه انحرف عن المسار الدعوى السلمى وتحول إلى آلة تخريبية مدفوعة بأفكار صدامية غير واقعية، مؤكداً فى نهاية مذكراته أن الانشقاق عن هذا الفكر كان إنقاذاً لضميره وتصحيحاً لخطأ تاريخى شارك فى قيادته. اقرأ  أيضا: