د. هيثم شعبان
د. هيثم شعبان


قائد مجموعة بحثية فى الطب الدقيق بجامعة جينيف

د. هيثم شعبان: «العمر المناعى» مقياس صحة الإنسان وليس تاريخ الميلاد

حازم بدر

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 - 09:46 م

فى غرفته بجامعة جينيف المطلة على هدوء المدينة السويسرية الشهيرة، حيث يبدو الزمن وكأنه يسير بدقة الساعات السويسرية، يجلس العالم المصرى د. هيثم شعبان، قائد إحدى المجموعات البحثية فى مجال الطب الدقيق بالجامعة..  لم يكن الحديث معه عن دقة الساعات الميكانيكية، بل عن نوع آخر من الساعات، وهى ساعة بيولوجية صامتة تدور داخل أجسادنا، تحدد متى نهرم ومتى نسقط فى فخ المرض.

«الأربعون» ليست سن الخوف.. وRUNX1 قد يبطئ شيخوخة الخلايا المناعية

مناعة المريض قد تصبح مفتاح اختيار العلاج الأنسب للسرطان

كانت دراسة لباحثين من المركز الوطنى الصينى للمعلومات الحيوية بالأكاديمية الصينية للعلوم، نُشرت فى مجلة «إميونيتي» قد هزت الأوساط العلمية، بعد أن نجح الباحثون فى تطوير ساعة تقيس شيخوخة الجهاز المناعى سموها (HIAC)، استندت إلى تشريح جزيئى هائل لـ 1.2 مليون خلية مناعية مأخوذة من 230 شخصاً أصحاء.
وأمام سيل الأسئلة التى أثارتها تلك الدراسة، التقينا بالدكتور شعبان، الذى بدأنا معه القصة من البداية بسؤاله عما يعنيه مصطلح  «شيخوخة الجهاز المناعي».
 يقول، وهو يختار كلماته بعناية « شيخوخة الجهاز المناعى، لا تعنى أن الدفاعات المناعية تنهار فجأة، بل تفقد شيئاً فشيئاً جزءاً من دقتها ومرونتها». 
ثم يتوقف لحظة، وكأنه يتأمل رحلة العمر نفسها، قبل أن يضيف أن الجهاز المناعى فى سنوات الشباب يشبه حارساً يقظاً، يتعرف بسرعة إلى الفيروسات الجديدة، ويستجيب بكفاءة للقاحات، ويراقب الخلايا الشاذة قبل أن تتحول إلى سرطان، لكن هذا الحارس، مع مرور الزمن، يبدأ فى الإرهاق، حيث تتراجع أعداد الخلايا المناعية الشابة، وتتزايد الخلايا الهرمة، ويغرق الجسم تدريجياً فى حالة من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة.
لم يكن يتحدث عن العدوى فقط، كان يتحدث عن الشيخوخة نفسها. فحين يشيخ جهاز المناعة، كما يوضح، لا يصبح الإنسان أكثر عرضة للأمراض فحسب، بل يفقد الجسم جزءاً من قدرته على حفظ توازنه الداخلى. وهنا يرى العلماء اليوم أن شيخوخة المناعة ليست مجرد نتيجة للتقدم فى العمر، بل ربما تكون أحد محركاته الرئيسية.
تفسير الألغاز الطبية
وعندما انتقل الحديث إلى مفهوم «العمر المناعي»، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وكأن السؤال يلامس إحدى أكثر الأفكار إثارة فى الطب الحديث. فالعمر الزمنى، كما يقول، ليس سوى الرقم المدون فى شهادة الميلاد، أما العمر المناعى فهو شىء آخر تماماً، إنه محاولة لقياس العمر البيولوجى الحقيقى لجهاز الدفاع فى الجسم.
يضرب مثالاً بشخصين يبلغان الستين من العمر؛ الأول يمتلك جهازاً مناعياً مازال يحتفظ بمرونته وشبابه، بينما يبدو الثانى أكبر بكثير من عمره الحقيقى على المستوى المناعى. وهنا يكمن تفسير كثير من الألغاز الطبية: لماذا يمرض بعض الناس مبكراً؟ ولماذا يستجيب آخرون للقاحات أو لعلاجات السرطان بصورة أفضل رغم أنهم فى العمر نفسه؟
ويؤكد أن الأبحاث الحديثة بدأت تطرح سؤالاً جديداً يتجاوز السؤال التقليدى «كم عمرك؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «كم عمر جهازك المناعي؟».
ثم يأتى الحديث عن الدراسة الجديدة نفسها، فتزداد نبرة الحماس فى صوته. يشرح أن الباحثين لم يكتفوا بالنظر إلى عينات الدم بوصفها كتلة واحدة، بل استخدموا تقنيات متطورة تسمح بتحليل كل خلية مناعية على حدة. وكأنهم، على حد وصفه، دخلوا إلى مدينة كاملة لاكتشاف سكانها فرداً فرداً، من يعيش فيها؟ ومن يشيخ؟ ومن لا يزال محتفظاً بحيويته؟
وقام الفريق العلمى بتحليل نحو 1.2 مليون خلية مناعية مأخوذة من 230 شخصاً أصحاء عبر ستة عقود عمرية مختلفة، وتمكن من تصنيف 24 نوعاً فرعياً من الخلايا المناعية. ومن خلال هذه البصمات الخلوية الدقيقة، بُنيت ما أطلق عليه الباحثون «ساعة الشيخوخة المناعية البشرية».
وعندما يصل إلى الحديث عن دقة الساعة، يرفع حاجبيه قليلاً. فقد استطاعت تقدير العمر المناعى بمتوسط خطأ يقارب 5.6 سنة فقط، وهو رقم يصفه بأنه قوى للغاية فى مجال النماذج البيولوجية المعقدة.
لكن ما يثير اهتمامه أكثر من دقة التقدير هو ما كشفته الدراسة عن آليات الشيخوخة نفسها. فقد أظهرت النتائج أن الخلايا التائية تقف فى قلب عملية شيخوخة المناعة، كما سلطت الضوء على عامل جزيئى يُعرف باسم RUNX1، يبدو أنه يؤدى دوراً مهماً فى إبطاء دخول هذه الخلايا فى مرحلة الشيخوخة.
ورغم التفاؤل الذى تحمله النتائج، يعود شعبان إلى نبرة العالم الحذر. فهذه الساعة، كما يؤكد، لا تزال أداة بحثية واعدة وليست فحصاً طبياً روتينياً متاحاً فى العيادات. غير أن أهميتها تكمن فى أنها تفتح نافذة جديدة على فهم العمر نفسه، ليس بوصفه سنوات تُحسب على الورق، بل بوصفه تغيرات عميقة تحدث داخل خلايا الجسم بصمت، وتحدد إلى حد بعيد كيف نمرض، وكيف نقاوم، وربما كيف نعيش.
دراسات طويلة
وعندما سألته إن كان العمر المناعى قد يصبح يوما أكثر أهمية من العمر المكتوب فى شهادة الميلاد، أجاب الدكتور شعبان بحذر العالم الذى يعرف أن الأرقام لا تحكى القصة كاملة.
يرى أن العمر المناعى قد يكون أكثر تعبيرا عن الحالة الصحية الحقيقية، لأنه يعكس كفاءة الجهاز المناعى وقدرته على مقاومة الأمراض، بخلاف العمر الزمنى الذى لا يميز بين شخص يتمتع بصحة جيدة وآخر يعانى السمنة أو الالتهابات المزمنة أو الأمراض الأيضية. ومع ذلك، يؤكد أن الأمر ما زال بحاجة إلى دراسات طويلة قبل اعتماده كمؤشر طبى للتنبؤ بالأمراض.
ومن أكثر نتائج الدراسة إثارة، كما يوضح، اكتشاف أن الأربعين تمثل نقطة تحول بيولوجية مهمة. فالشيخوخة المناعية لا تبدأ فجأة فى الستين أو السبعين، بل تتشكل تدريجيا مع تراكم العدوى والضغوط والتغيرات الأيضية عبر سنوات الحياة. لكنه يرفض النظر إلى الأربعين باعتبارها سنا للخوف، ويصفها بأنها «سن الفرصة» للتدخل المبكر والحفاظ على الصحة قبل ظهور المرض.
وعن أسباب اختلاف سرعة شيخوخة المناعة بين الأشخاص، يشير إلى أن الأمر نتاج تفاعل معقد بين الجينات والبيئة ونمط الحياة. فالتدخين والسمنة وقلة النوم والتوتر المزمن تسرّع إرهاق الجهاز المناعى، بينما تساعد الرياضة والتغذية المتوازنة والنوم الجيد فى الحفاظ على شبابه. ويختصر الفكرة بقوله إن الجهاز المناعى هو «سجل حى لتاريخ الإنسان»، يحمل داخله آثار أسلوب حياته وتجارب مرضه وصحته.
ويتوقف شعبان عند الجين « RUNX1»، الذى وصفته الدراسة بأنه «مكبح» لشيخوخة الخلايا التائية. فقد أظهرت التجارب أن انخفاض نشاط هذا الجين يرتبط بظهور علامات الشيخوخة، بينما ساهمت إعادة تنشيطه فى استعادة بعض الوظائف داخل الخلايا المسنة. ويرى أن أهمية الاكتشاف تكمن فى الانتقال من مجرد رصد الشيخوخة إلى فهم بعض الآليات التى تتحكم فيها.
لكن هذا لا يعنى، بحسب قوله، أننا اقتربنا من دواء يعيد الشباب، فالنتائج الحالية تشير فقط إلى أن بعض مظاهر شيخوخة المناعة قد تكون قابلة للتعديل مستقبلاً من خلال تدخلات دقيقة تحافظ على توازن الجهاز المناعى دون إفراط أو ضعف.
استراتيجيات علاجية
ويتوقع أن يشهد المستقبل ظهور استراتيجيات علاجية تهدف إلى الحفاظ على «لياقة» الجهاز المناعى، خاصة مع ظهور دراسات أخرى تعتمد على تقنيات «الرنا مرسال»  لتحسين وظائف الخلايا التائية فى الحيوانات المسنة. إلا أنه يشدد على أن هذه النتائج ما تزال فى مراحلها البحثية الأولى.
كما يرى أن قياس العمر المناعى قد يصبح يوما جزءا من الفحوص الطبية الروتينية، إذا أثبتت الدراسات قدرته على التنبؤ بخطر الأمراض المزمنة والاستجابة للعلاجات واللقاحات. لكنه يؤكد أن الطريق ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب السريرية.
وفى ختام الحوار، يؤكد أن الهدف ليس إطالة العمر فقط، بل إطالة سنوات العمر الصحي؛ أى السنوات التى يعيشها الإنسان بصحة ونشاط واستقلالية.
 ومن هذا المنطلق يشير إلى أن لديه مشروعا بحثيا لدراسة بصمات شيخوخة المناعة فى دم مرضى السرطان، أملاً فى تطوير مؤشرات تساعد مستقبلاً على فهم الاستجابة للعلاج المناعى وتوسيع آفاق الطب الشخصى.
ويختصر رؤيته فى جملة واحدة: «ما تكشفه الدراسات الحديثة هو أن الشيخوخة لم تعد تُفهم فقط كعدد من السنوات، بل كحالة بيولوجية يمكن قياسها داخل الخلايا. وإذا كان الجهاز المناعى أحد أهم مفاتيح الصحة، فإن فهم عمره الحقيقى قد يغير مستقبل الوقاية من الأمراض وعلاج الأمراض المرتبطة بالعمر وفى قلبها السرطان».
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة