محمود السعدنى
محمود السعدنى


كنوز| «الولد الشقى» يبحث عن الرجل الطيب !

عاطف النمر

الأربعاء، 10 يونيو 2026 - 07:51 م

بعت كتبى عند بياع اللب، واستلفت ريـالًا فضة من إحدى جيراننا، وأصبح مع العبد لله 70 قرشًا لا غير، وقطعت تذكرة فى حلزونة جربانة، وودعت القاهرة إلى مدينة المحلة.

خلال الرحلة رحت أثرثر مع ريفى غلبان يبدو أن السلك ضاربه، حكى لى عشر حكايات، ولهف منى عشر سجاير، وسب الدين والدنيا ألف مرة، ووصلت الحلزونة إلى المحطة ومضيت فى شوارع المحلة أتفرج على الناس والأسواق والبيوت على الجانبين، ورحت أبحث عن مصنع الغزل أسأل كل بواب أو شيال عن شغلة فاضية باشكاتب أو كاتب فى المصنع على الأقل بأجرة لا تقل عن 6 جنيهات، وجاء الرد ليس هناك أماكن خالية إلا للعتالين..

دخلت شوارع المدينة أتلمس أصحاب المصانع الصغيرة، وأيضًا جاء الرفض، وعندما انتصف النهار كان الأمل فى العمل بمصنع صغير قد تبخر، وعند مصنع صغير يجلس أمامه رجل ذو جلباب أبيض تقدمت إليه، فقدم لى كرسى قش وطلب لى واحد شاى، حكيت للرجل قصة مُلفقة بأنى يتيم الأم وأن زوجة أبى تضربنى كل يوم بالكرباج ولذلك هربت، فقام الرجل وسحبنى خلفه كالكلب المجنون إلى شوارع المحلة، وعندما وصلنا بيته هممت بالهرب خوفًا، لكننى امتثلت إليه وصعدت السلم معه، وفجأة فتحت الباب صبية فى الخامسة عشرة.

هنا اطمأن قلبى، ثم أمر بالغداء سمك وفجل وطرشى بلدى ما أحلاه، وبعد أن شربنا الشاى نصحنى بالعودة إلى حيث جئت، وخرجنا كما جئنا إلى محطة السكة الحديد وقطع لى تذكرة ودس فى يدى نقودًا لكنى رفضت، وركبت وحدى الحلزونة أمص عود قصب وألقى على الرجل نظرة وداع، وبعد ذلك بعشر سنوات عدت إلى المحلة عام 1954 فى رحلة صحفية اشتريت فاكهة وهدايا بخمسة جنيهات وذهبت إلى نفس المصنع الذى قابلت فيه الرجل الطيب لكن لم أجد شيئًا هناك، بل وجدت عمارة شاهقة مكانه، وما زلت أبحث عن الرجل الطيب ففى أعماق نفسى ذكرى حميدة أحملها له.

محمود السعدنى « صباح الخير» - 1964

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة