أمان الصحفيين
الخميس، 11 يونيو 2026 - 06:43 م
الأخبار
نحن الصحفيين نعيش أعمارنا بين زحام الشوارع ورائحة الورق وصوت الأخبار العاجلة. نركض خلف الحقيقة، نحمل وجع الناس على أكتافنا، ونكتب عن أحلامهم وانكساراتهم وأيامهم الثقيلة، بينما تمر سنوات العمر سريعًا دون أن نشعر.
نعطى للمهنة أعصابنا ووقتنا وصحتنا، ونعتاد دائمًا أن نكون سندًا للآخرين، لكن قليلًا ما يسأل أحد: من يسند الصحفى حين يتعب؟ ومن يمنحه الأمان بعدما أفنى عمره كله بين الكلمات والأحداث؟
الصحافة ليست مجرد وظيفة، بل عمر كامل يذوب فى المهنة.
ومع مرور السنوات، يبدأ التعب فى التسلل بهدوء. وهنا تظهر أهمية الشعور بالأمان، ليس فقط أمان العلاج أو الرعاية، بل أمان النفس التى تحتاج إلى من يطمئن عليها، ويشاركها الأيام، ويمنحها إحساسًا بأنها ما زالت وسط أهلها وبيتها الكبير.
ومن هنا، تأتى فكرة إنشاء دار للصحفيين التى طرحها الزميل الإعلامى جابر القرموطى، على غرار دار إقامة الفنانين، ليس كمجرد مبنى أو مكان إقامة، بل كبيت حقيقى يحمل روح النقابة ودفء الزمالة. مكان يليق بتاريخ أصحاب المهنة، ويحفظ كرامتهم، ويمنحهم حياة هادئة بعد سنوات طويلة من العطاء والتعب.
لكن هذه الفكرة، رغم أهميتها الإنسانية والمهنية، فإن تكلفتها كبيرة ولا تستطيع النقابة وحدها تحملها، ولذلك نناشد الأسرة الصحفية كلها أن تتكاتف من أجل تحويل هذا الحلم إلى واقع يليق بنا جميعًا. فالمشروع ليس مسئولية جهة واحدة، بل مسئؤولية كل من ينتمى لهذه المهنة، وكل من آمن برسالتها يومًا.
وربما تكون هذه الفكرة أكبر من مجرد مشروع، بل رسالة وفاء لكل صحفى عاش عمره يحمل هموم الناس بقلمه وصوته. ولهذا، ربما يكون الوقت مناسبًا لأن تتحول الفكرة إلى حلم جماعى تتبناه الأسرة الصحفية كلها، بعيدًا عن أى خلافات أو حسابات. فكل من خاض انتخابات النقابة يومًا، سواء نجح أو لم يحالفه الحظ، كان يحمل بالتأكيد أفكارًا ورؤى لخدمة المهنة والزملاء، وربما يكون هذا المشروع أحد الأبواب التى يمكن أن يجتمع الجميع حولها من أجل مستقبل أكثر إنسانية لأبناء صاحبة الجلالة.
إن النقابة لم تكن يومًا مجرد مبنى أو لافتة، بل كانت دائمًا بيتًا معنويًا لكل صحفى. ومن حق هذا البيت أن يمتد يومًا ليصبح أمانًا حقيقيًا لأبنائه فى كل مراحل العمر.
وفى النهاية، سيأتى يوم يهدأ فيه صخب الأخبار، ويبتعد الصحفى قليلًا عن زحام العمل اليومى بعد عمر طويل من الجرى خلف الحقيقة، يحتاج فقط إلى من يساند صحته، ويخفف وحدته، ويشعره أنه لم يصبح وحيدًا بعد رحلة العطاء.
وربما تكون دار للصحفيين هى المعنى الحقيقى للأمان.. مكان يجد فيه صاحب القلم من يطمئن عليه، ويبادله الونس والاهتمام، بعدما قضى عمره كله يكتب عن الناس وينشغل بآلامهم.