خواطر الشعراوى| نعمة علم الله للغيب

الشيخ الشعراوى

الخميس، 11 يونيو 2026 - 07:03 م

ضياء أبوالصفا

يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: بعد ذلك يقول الحق: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى﴾. قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿فى أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ ثم قوله: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ يدل على أن كلمة «أيام» تطلق على الجمع وهو الأكثر من يومين، أى ثلاثة أيام، لكن الحق سبحانه وتعالى جعل للقيام بيومين حكم القيام بالثلاثة، فإن تعجلت فى يومين فلا إثم عليك ومن قضى ثلاثة أيام فلا إثم عليه كيف يكون ذلك؟. لأن المسألة ليست زمنًا، ولكنها استحضار نية تعبدية، فقد تجلس ثلاثة أيام وأنت غير مستحضر النية التعبدية؛ لذلك قال سبحانه: ﴿لِمَنِ اتقى﴾، فإياك أن تقارن الأفعال بزمنها، وإنما هى بإخلاص النية والتقوى فيها. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: ﴿واتقوا الله واعلموآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقد جاء سبحانه وتعالى بكلمة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ لتتناسب زحمة الحج؛ لأنه كما حشركم هذا الحشر وأنتم لكم اختيار، هو سبحانه القادر أن يحشركم وليس لكم اختيار. فإذا كنت قد ذهبت باختيارك إلى هذا الحشر البشرى الكبير فى الحج فاعرف أن الذى كلفك بأن تذهب باختيارك لتشارك فى هذا الاجتماع الحشد هو القادر على أن يأتى بك وقد سلب منك الاختيار. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية الوجودية هى أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس فى الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن مصلحة الإنسان أن ينتمى هو والناس جميعًا إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلهًا حكيمًا يعرف كل شيء عنا جميعًا. فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، وأنا عندى شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعًا، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ولذلك قيل: «إن عَمّيْتَ على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء» . إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو الذى سيحمى كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها؛ لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما فى نفسى عليك فى لحظة قد لا يسرك. وقد لا تنساه أبدًا ويظل رأيك فيَّ سيئًا، لكن الظنون والآراء تمر عندى وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، والقول المأثور يذكر ذلك: «لو تكاشفتم ما تدافنتم». إذن فمن رحمة الله ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال فيهم: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا﴾ أى الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال: على الذم بتنا مجمعين وحالنا .. من الخوف حال المجمعين على الحمد أى لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذمًا، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا كل يقول بلسانه ما ليس فى قلبه. و«يعجبك قوله» فهل الممنوع أن يعجبك القول؟ لا، يعجبنى القول ولكن فى غير الحياة الدنيا، فالقول الذى يعجب هو ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل الخير. وكفى بالذى يسمع من مادح له مدحًا، والمادح نفسه يضمر فى قلبه كرهًا له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: «إن الممدوح غبي؛ لأنى أمدحه وهو مصدق مدحى له». إن الله سبحانه وتعالى ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظًا وفطنًا، ومن يقول لنا كلامًا يعجبنا فى الحياة نتهمه بأن كلامه ليس حسنا؛ لأن خير الكلام هو ما يكون فى الأمر الباقي. ولذلك عندما أرسل خليفةُ المسلمين للإمام جعفر الصادق يقول له: لماذا لا تغشانا أى لا تزورنا كما يغشانا الناس؟ فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندى من الدنيا ما أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له. وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا؛ أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأى سيء فيك هم من يمدحونك.