فاتورة بنصف مليار دولار تثير القلق في نيويورك

كأس العالم

الجمعة، 12 يونيو 2026 - 10:27 ص

وكالات

تستعد ولايتا نيويورك ونيوجيرسي لإنفاق ما يزيد على نصف مليار دولار لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 وسلسلة من الفعاليات الكبرى المرافقة لها، في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مدى قدرة أكبر حدث رياضي في العالم، على تحقيق عوائد اقتصادية تبرر حجم الإنفاق العام المخصص له. وبينما يتحمل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الجزء الأكبر من التكاليف المرتبطة بتنظيم المباريات داخل الملاعب، تقع أعباء أخرى، مثل النقل العام والأمن وساعات العمل الإضافية لأفراد الشرطة والخدمات اللوجستية، على عاتق حكومات الولايات والسلطات المحلية. وتبرز نيويورك ونيوجيرسي باعتبارهما الأكثر تعرضاً لهذه الأعباء بين المدن والمناطق الست عشرة التي ستستضيف مباريات البطولة في أميركا الشمالية، إذ ستحتضنان ثماني مباريات، من بينها المباراة النهائية المقررة يوم 19 يوليو المقبل على ملعب (ميتلايف). ووفق المعطيات المتداولة إعلامياً استناداً إلى بيانات حكومية محلية، يخطط المسؤولون لإنفاق ما يناهز 500 ملايين دولار خلال موسم صيفي حافل بالأحداث الرياضية الكبرى، يرتبط معظمها بشكل مباشر بكأس العالم. ويثير هذا الرقم مخاوف متزايدة لدى مسؤولين محليين يرون أن دافعي الضرائب يتحملون النصيب الأكبر من تكاليف الاستضافة، في حين تستحوذ الفيفا على أبرز مصادر الإيرادات، من مبيعات التذاكر وحقوق البث التلفزيوني والرعايات التجارية. وفي الوقت الذي ينتظر أن تحقق فيه الهيئة الكروية الدولية إيرادات تقارب 8 مليارات دولار هذا العام، لا تمتلك الحكومات المحلية سوى فرص محدودة لتحقيق عائدات مباشرة من البطولة. ورغم الرهان على إنفاق ملايين المشجعين القادمين من الخارج في الفنادق والمطاعم والمتاجر المحلية، فإن حالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية دفعت بعض المسؤولين إلى التشكيك في حجم النشاط السياحي المتوقع. وقالت فيرجينيا مالوني، رئيسة لجنة التنمية الاقتصادية بمجلس مدينة نيويورك، إن البطولة تمثل فرصة مهمة لجذب الزوار، لكنها أعربت في الوقت نفسه عن قلقها بشأن مستقبل القطاع السياحي في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية الراهنة. واستند ملف الاستضافة المشترك للولايات المتحدة وكندا والمكسيك إلى امتلاك الدول الثلاث بنية تحتية رياضية متطورة، مما جنبها الحاجة إلى بناء ملاعب جديدة كما حدث في نسخ سابقة من كأس العالم. غير أن ذلك لم يمنع نيوجيرسي من ضخ استثمارات كبيرة لتحسين الوصول إلى ملعب ميتلايف. فقد خصصت هيئة النقل في الولاية 106 ملايين دولار لتطوير الطرق وأنظمة الإشارات وإنشاء محطة حافلات مؤقتة، جاء نحو 100 مليون دولار منها من تمويلات فيدرالية أُقرت خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. كما استثمرت الولاية 78 مليون دولار إضافية في مشاريع مرتبطة بملعب ميتلايف، من بينها إنشاء جسر جديد للمشاة ودعم قدرة المنطقة على استضافة الأحداث الرياضية الدولية الكبرى. ومنذ اختيار ميتلايف عام 2022 ضمن الملاعب الأميركية المستضيفة للبطولة، أُنشئت لجنة إقليمية غير ربحية لتنسيق التحضيرات. وقد حصلت اللجنة حتى الآن على 111 مليون دولار من التمويلات والقروض المقدمة من نيويورك ونيوجيرسي ومدينة نيويورك. وساهمت نيويورك ومدينة نيويورك بما مجموعه 61 مليون دولار، في حين قدمت نيوجيرسي 50 مليون دولار، من بينها 15 مليون دولار على شكل قروض من هيئة الرياضة والمعارض التابعة للولاية. كما تتوقع نيوجيرسي إنفاق حوالي 40 مليون دولار إضافية على الأمن والخدمات المرتبطة بالتنظيم، إلى جانب مليوني ونصف دولار (2.5) مخصصة للترويج السياحي. أما نيويورك، فقد خصصت حوالي 5 ملايين دولار لتنظيم مناطق مشاهدة جماعية للمباريات وحملات ترويج سياحي، مع إمكانية توجيه 14 مليون دولار إضافية من ميزانية الولاية إلى البطولة أو فعاليات كبرى أخرى. وتشكل النفقات الأمنية أحد أكبر بنود الإنفاق. إذ تتوقع شرطة مدينة نيويورك إنفاق نحو 90 مليون دولار على ساعات العمل الإضافية والإجراءات الأمنية طوال فترة البطولة، التي تتزامن مع نهائيات دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين واحتفالات العيد الوطني في الرابع من يوليو وفعاليات وطنية أخرى. ورغم تخصيص الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ 66 مليون دولار للمنطقة، وإفراج وزارة النقل الأميركية عن 10 ملايين دولار إضافية لدعم تكاليف التنقل، يرى مسؤولون محليون أن التمويل الفيدرالي لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات الفعلية. وفي المقابل، تراهن اللجنة المنظمة على أن تحقق البطولة أثراً اقتصادياً يقدر بنحو 3.3 مليار دولار في نيويورك ونيوجيرسي، من بينها 432 مليون دولار من العائدات الضريبية. وإلى جانب الإنفاق الحكومي، تعتمد اللجنة المحلية للاستضافة على مساهمات القطاع الخاص، لكنها تعمل ضمن قيود صارمة تحد من قدرتها على استقطاب الرعاة مقارنة بفيفا. فبينما يحتفظ فيفا بحقوق الرعاية العالمية مع شركات كبرى، تضطر اللجان المحلية إلى البحث عن شركاء في قطاعات لا تشملها العقود الحصرية للاتحاد الدولي لكرة القدم. ورغم أن اللجنة أكدت اعتمادها بشكل كبير على التمويل الخاص، فإنها لم تكشف حتى الآن عن حجم الأموال التي جمعتها من الرعاة والمتبرعين، مثيرة انتقادات من مشرعين في نيويورك ونيوجيرسي طالبوا بمزيد من الشفافية بشأن مصادر التمويل وأوجه الإنفاق. وفي هذا السياق، دعا عدد من المسؤولين المحليين إلى إجراء تقييم شامل بعد نهاية البطولة لقياس العائد الاقتصادي الفعلي مقارنة بحجم الأموال العامة المنفقة، معتبرين أن نتائج التجربة ستشكل مرجعا مهما للدول والمدن الراغبة في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى مستقبلا. ولم تقتصر الخلافات على الجوانب المالية فحسب، بل امتدت إلى المنافسة السياسية بين نيويورك ونيوجيرسي حول توزيع المكاسب والامتيازات المرتبطة بالبطولة. فقد أثارت برامج دعم التذاكر والنقل الموجهة للجماهير نقاشات حادة بين مسؤولي الولايتين، كما ظهرت خلافات حول توزيع التمويل الفيدرالي وأوجه الاستفادة من الأموال العامة. وفي حين يؤكد مسؤولون في نيويورك أن البطولة تمثل فرصة تاريخية للترويج للولاية وتعزيز النشاط الاقتصادي، يرى مشرعون في نيوجيرسي أن ولايتهم تتحمل القسط الأكبر من الأعباء المالية واللوجستية المرتبطة بالاستضافة. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن 6 ملايين دولار من التمويل الفيدرالي المخصص للنقل ستذهب إلى هيئة النقل في نيوجيرسي مقابل 4 ملايين دولار لهيئة النقل الحضرية في نيويورك. كما يتوقع أن تنفق نيوجيرسي ما يقارب 60 مليون دولار هذا العام لنقل ما يصل إلى 320 ألف مشجع إلى ملعب ميتلايف ذهاباً وإياباً. ورغم أن هذه الاستثمارات ترفع فاتورة الاستضافة على الولاية، فإن مسؤوليها يرون أنها ستترك إرثاً دائماً من خلال تحسين البنية التحتية وتعزيز جاهزية المنطقة لاستضافة أحداث عالمية مستقبلاً. وبينما تستعد نيويورك ونيوجيرسي لجذب أنظار العالم خلال صيف 2026، يبقى السؤال المطروح. هل ستتحول الاستثمارات الضخمة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، أم ستبقى البطولة مثالا جديدا على الفجوة بين الوعود الاقتصادية الكبرى والواقع المالي الذي تتحمله المدن والدول المستضيفة؟