اكتشاف علمي قد يفسر ارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة عند النساء

علوم الأعصاب والصحة النفسية

الجمعة، 12 يونيو 2026 - 01:13 م

إيمان حسين

توصل علماء إلى نتائج جديدة قد تساعد في فهم أحد أكثر الأسئلة إثارة في مجال علوم الأعصاب والصحة النفسية: لماذا ترتفع معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة لدى النساء مقارنة بالرجال؟. وتشير دراسة حديثة إلى وجود اختلافات بيولوجية داخل الدماغ تجعل طريقة تكوين ذكريات الخوف لدى النساء مختلفة عن تلك الموجودة لدى الرجال، وهو اكتشاف قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية في المستقبل. اقرأ أيضا| زائير 1974.. أغرب قصة في تاريخ المونديال لغز اضطراب ما بعد الصدمة تشير الإحصاءات إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بمعدل يقارب الضعف مقارنة بالرجال، رغم أن الدراسات لا تُظهر بالضرورة تعرضهن لمستويات أعلى من الأحداث الصادمة، هذا التفاوت دفع الباحثين إلى البحث عن تفسيرات بيولوجية وعصبية قد تكشف أسباب هذه الفجوة بين الجنسين، ويرى العلماء أن الاختلاف لا يتعلق فقط بطبيعة التجارب التي يمر بها الأفراد، بل بالطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع تلك التجارب ويحولها إلى ذكريات طويلة الأمد. آلية مختلفة لتخزين الخوف أجرى باحثون من جامعة فرجينيا للتكنولوجيا دراسة ركزت على العمليات الجزيئية المرتبطة بتكوين الذكريات العاطفية، وتوصلوا إلى اكتشاف لافت يتمثل في دور علامة جزيئية تعرف باسم “تعدد اليوبيكويتين K27”، والتي بدت أكثر نشاطاً في أدمغة الإناث أثناء تكوين ذكريات الخوف، ويعتقد أن هذه العملية تسهم في ترسيخ التجارب الصادمة داخل الذاكرة، ما قد يفسر جزئياً سبب ارتفاع احتمالات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة لدى النساء. رسم خريطة ذاكرة الخوف اعتمدت الدراسة على تجارب أجريت على الفئران، حيث راقب العلماء نشاط منطقتين أساسيتين في الدماغ هما الحصين المسؤول عن ربط الذكريات بالسياق والمكان، واللوزة الدماغية المرتبطة بمعالجة المشاعر والخوف،وأظهرت النتائج ارتفاع مستويات “تعدد اليوبيكويتين K27” داخل الحصين لدى الإناث بعد التعرض لتجربة تعلم مرتبطة بالخوف، في حين لم تسجل زيادة مماثلة لدى الذكور، كما تبين أن تقليل نشاط هذه الآلية الجزيئية أدى إلى ضعف قدرة الإناث على الاحتفاظ بالذكريات، بينما لم يظهر تأثير واضح على الذكور. اختلاف في الطريق لا في النتيجة يؤكد الباحثون أن الرجال والنساء قد يتمكنون من تعلم الحدث نفسه أو تذكره بالكفاءة ذاتها، لكن الآليات العصبية التي يستخدمها الدماغ للوصول إلى هذه النتيجة قد تكون مختلفة تماما،ويشير هذا الاكتشاف إلى أهمية مراعاة الفروق البيولوجية بين الجنسين عند تطوير العلاجات النفسية أو الأدوية الموجهة لتحسين الذاكرة أو معالجة اضطرابات ما بعد الصدمة. على عكس التوقعات، لم يجد العلماء تغيرات بارزة في نشاط هذه الآلية داخل اللوزة الدماغية، وهي المنطقة التي ترتبط عادة بالخوف والانفعالات، وبدلا من ذلك، ظهر التأثير بشكل أوضح داخل الحصين، ما دفع الباحثين إلى إعادة النظر في بعض الفرضيات التقليدية المتعلقة بمكان تخزين الذكريات المرتبطة بالخوف داخل الدماغ. ارتباط محتمل بمرض الزهايمر كما كشفت الدراسة عن علاقة بين "تعدد اليوبيكويتين K27" وبروتين يعرف باسم ACAT1 داخل الحصين لدى الإناث. ويكتسب هذا الاكتشاف أهمية إضافية لأن البروتين نفسه يرتبط بمرض الزهايمر، وهو أحد الأمراض التي تؤثر بشكل مباشر على الذاكرة،ويرى الباحثون أن فهم هذا الارتباط قد يساعد مستقبلاً في كشف المزيد من الأسرار المتعلقة بتكوين الذكريات وفقدانها، سواء في اضطرابات الصدمة النفسية أو الأمراض العصبية التنكسية. تكشف هذه النتائج عن جانب جديد من التعقيد الذي يميز الدماغ البشري، وتؤكد أن الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء قد تمتد إلى أعمق المستويات الجزيئية المسؤولة عن تكوين الذكريات، وبينما لا تزال الأبحاث مستمرة لفهم هذه الآليات بشكل أوسع، فإن الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو تطوير علاجات أكثر تخصصاً لاضطرابات الذاكرة والصدمات النفسية، بما يتناسب مع طبيعة كل جنس واحتياجاته البيولوجية المختلفة.