حماقى بين التجريب وقلق النجومية فى «سمعونى»

النجم محمد حماقى

الجمعة، 12 يونيو 2026 - 08:54 م

مصطفى حمدي

  هل نجح حماقى فى استعادة مكانته عبر أغانى تُرضى أغلب الأذواق.. أم كان فى حاجة للتكثيف؟!   بعد فترة غياب ليست قصيرة، اختار النجم محمد حماقى أن يقطع صمته الفنى بإطلاق ألبومه الأحدث «سمعونى». العمل لا يمثل مجرد إضافة جديدة لمسيرته، بل يأتى كأضخم مشاريع حماقى الموسيقية وأكثرها تعقيداً. يتحرك حماقى فى هذا الألبوم فوق رقعة غنائية شديدة التنوع، متأرجحاً بين المقامات الشرقية الأصيلة، والفلامنكو، رحلة يبدو واضحاً أنها محاولة جادة لإعادة ترسيم حدوده الفنية. لا يمكن قراءة «سمعونى» بمعزل عن الظروف التى أحاطت بصناعته؛ فهو ليس عودة اعتيادية، بل هو بمثابة اختبار حقيقى يواجه أحد أبرز صناع البوب المصرى فى الألفية الجديدة. اختبار فرضته عوامل متعددة، لعل أبرزها حالة الشغف والترقب التى عاشها الجمهور، فضلاً عن الجدل العريض والمعارك النقدية التى دارت حول دويتو «بحرية» الذى جمعه بالنجمة شيرين عبد الوهاب. من رحم هذا الترقب والقلق، ولد «سمعونى» محملاً بـ 18 أغنية دفعة واحدة؛ وهو رقم ضخم يمنحنا فرصة لتفسير المشهد من زاويتين متناقضتين: الأولى ترى أن حماقى أراد تعويض جموح جمهوره بوجبة موسيقية دسمة، بينما يذهب التفسير الثانى إلى أن هذا التعدد يعكس قلقاً باطنياً يدفع حماقى لمحاولة إرضاء كافة الأذواق. إذا أردنا تفكيك هذا العمل الضخم، فلنبدأ من النقطة الأكثر إثارة للجدل، وهى دويتو «بحرية» مع شيرين عبد الوهاب. فرغم أن سقف التوقعات المرتفع وضع الأغنية تحت مقصلة الأحكام السريعة، إلا أن التدقيق فيها يكشف عن تجربة فنية شجاعة على مستوى البناء واللغة والموسيقى. يستمر الملحن عزيز الشافعى هنا فى خطته الواعية للنهل من الموروث الشعبى المصرى واستخدام مفردات مثل «بحرية» و«فرندة» وإعادة صياغتها فى قالب معاصر، بينما يتفوق الموزع توما فى تقديم رؤية بصرية مسموعة مستلهمة من موسيقى الراى والإيقاعات المغاربية، مستخدماً الأورج الشعبى المغربى ليفتح للأغنية أفقاً عربياً رحباً يتجاوز النطاق المحلى. وفى ذات السياق الشعبى المعاصر، ولكن بروح مختلفة، يفاجئنا حماقى بأغنية «نقاوة عينى» (كلمات ولحن عزيز الشافعى). هنا يذهب حماقى بكامل إرادته إلى منطقة مغايرة تماماً، مستدعياً الأجواء الشعبية الخالصة، وبحضور لافت لعازف الكيبورد محمد عبد السلام، تكتسب الأغنية طاقة تشبه عالم المهرجانات، لكنها تظل محتفظة بهويتها وقوامها كأغنية بوب تليق بنجم جماهيرى. المفارقة الكبرى فى ألبوم «سمعونى» هى أن الشجن فرض نفسه كـ «نجم شباك» للعمل ككل، متفوقاً على حساب إيقاعات الصيف السريعة. لقد سيطرت مفردات الفراق، الندم، الحنين والعتاب على نصوص الأغنيات، وهو توجه يبتعد عن كليشيهات الألبومات الصيفية الراقصة. والأجمل من ذلك، أن الجمهور التقط هذه الإشارة وكان أكثر انجذاباً للأعمال التى حملت جرعات مكثفة من الانكسار والوجع، والتى كشفت بالمقابل عن نضج حماقى كمطرب يمتلك سيطرة تامة على تفاصيل الجملة الغنائية وإحساسها. فى صدارة هذه الروائع تأتى أغنية «عمرنا ما نسينا»، التى صاغ لحنها وليد سعد من مقام «الرست» الشرقى الأصيل، لنستحضر معها فوراً ظلال عبقرية بليغ حمدى فى روائعه مع عبد الحليم ووردة. تلاقت هذه النغمات مع كلمات تامر حسين الغارقة فى الحنين، بينما نجح الموزع أحمد إبراهيم فى بناء جسر زمنى يربط بين أصالة التخت الشرقى وحداثة إيقاع المقسوم الإلكترونى، لتخرج الأغنية كأحد أكثر أعمال الألبوم اكتمالاً ونضجاً. على الجانب الآخر من الألبوم، يبرز الرهان على الأغنيات الإيقاعية السريعة والتجريب الموسيقى مع القوالب الحديثة. تتصدر هذا الاتجاه أغنية «حلى حلى»، المرشحة الأولى لتكون «هيت» الألبوم. اللحن يحمل توقيع عمرو مصطفى الذى صاغه بطاقته المعهودة من مقام «الحجاز»، وصاحبته كلمات شقية ورشيقة من تامر حسين، لكن الصدارة هنا تذهب للموزع توما، الذى قدم توزيعاً جريئاً وشجاعاً مزج فيه بين البوب الحديث، والإيقاعات الصحراوية. من اللاتينى إلى الأفرو بيت: رهانات التنوع والإرث الراحل. لا ينتهى التنوع عند هذا الحد، بل يمتد «سمعونى» ليطرح رهانات موسيقية أخرى؛ أولها الموسيقى اللاتينية ونغمات الفلامنكو الإسبانى التى حملت بصمة عمرو مصطفى الواضحة فى أغنيات مثل «قالوا عنى إيه»، «مشيتى»، و«خلينا»، بجانب أغنية «سيبه يا قلبى» من ألحان على شعبان، وهى أعمال تمثل المنطقة الدافئة والآمنة لنجاحات حماقى المعتادة. أما الرهان الأخير فيتجلى فى مجموعة الأغنيات التى تقدم على الـ EDM، والـ «هاوس»، والتأثيرات النوبية والمغاربية مثل: «يعنى إيه»، «بتسألونى ليه»، «أوعى تنسانى»، و«سمعونى». وضمن هذا الصخب والتنوع، تستوقفنا محطة استثنائية تحمل شحنة عاطفية خاصة، وهى أغنية «بيقولولك إيه»، التى صاغها الموسيقار الراحل محمد رحيم فى واحدة من أواخر ألحانه قبل رحيله. من الملاحظات التحليلية التى تستحق التوقف، هى أن «سمعونى» يمكن وصفه بأنه «ألبوم التساؤلات». يتضح ذلك ليس فقط من خلال عناوين الأغنيات الصريحة مثل «بيقولولك إيه»، «قالوا عنى إيه»، «يعنى إيه»، و«بتسألونى ليه»، بل لأن ثيمة السؤال والمراجعة تفرض حضورها داخل نصوص الألبوم بشكل عام. الأغنيات تطرح تساؤلات مستمرة حول ما يدور داخل العلاقات العاطفية، وما يقوله الناس عنها، وما سيحدث بعد نهايتها. فى النهاية، يبدو «سمعونى» أكبر بكثير من مجرد ألبوم يضاف إلى مسيرة محمد حماقى. إنه مرآة حقيقية تعكس حالة القلق والبحث الدؤوب التى عاشها نجم مهم فى السنوات الأخيرة.