طبيب القلب المزيف.. هارب من حكم بالسجن 10 سنوات في قضية تزوير

طبيب القلب المزيف

السبت، 13 يونيو 2026 - 02:20 ص

محمود صالح

في بعض القصص، يكون الخيال أوسع من الواقع، لكن في قصة وليد الغنيمي، يبدو أن الواقع قرر أن ينافس الخيال بنفسه، فخرجت حكاية أقرب إلى سيناريو فيلم طويل، بطلها رجل قيل إنه نجح لسنوات في ارتداء «البالطو الأبيض» وإقناع كثيرين بأنه أحد أشهر أطباء القلب، قبل أن تنتهي الرحلة داخل أروقة المحاكم وأقسام الشرطة، تفاصيل أكثر في السطور التالية. البداية لم تكن في كلية الطب، ولا داخل مدرجات الجراحة أو معامل التشريح، بل كانت في مسار مختلف تمامًا، فالرجل الذي عرفه البعض كاستشاري أمراض القلب، ورئيس قسم جراحات القلب بكلية طب عين شمس، لم يكن طبيبًا من الأساس، بل اتضح أنه مفصول من كلية الألسن، أي لم يكمل تعليمه الجامعي أصلا، ليتحول من طالب مفصول لجراح قلب وعيادته في منطقة وسط البلد، وهي المفارقة التي جعلت القصة مادة خصبة للدهشة والسخرية في آن واحد. عدة النصب لسنوات طويلة، ظهر الرجل في صورة الطبيب الواثق، عيادة تستقبل المرضى، وروشتات طبية تحمل اسمه، وأحاديث عن خبرة ومناصب أكاديمية مرموقة، كل شيء كان يبدو طبيعيًا للوهلة الأولى، حتى أن كثيرين تعاملوا معه باعتباره طبيب معروف لا يثير الشكوك. ولكن في النهاية لابد من المستور أن ينكشف، فقد حانت لحظته فعلا، وسقط أخيرًا بعد أكثر من 15 عاما من الوهم، والغريب أنه لم يسقط بسبب خطأ طبي، بل سقط لأن عليه حكم قضائي بالسجن في قضية تزوير، وبعد القبض عليه، والتدقيق في المؤهلات والأوراق الرسمية، بدأت الصورة تتضح، فالمناصب التي نُسبت إليه، والشهادات التي قدمها، تحولت إلى محور تحقيقات كشفت عن وقائع تزوير وانتحال صفة، لتنتقل القصة من عيادة طبية إلى ساحات القضاء. المفارقة التي أثارت استغراب الرأي العام لم تكن فقط في الادعاء، بل في المدة الزمنية التي استمر خلالها هذا الادعاء دون أن ينكشف، فالسؤال الذي تردد على مواقع التواصل الاجتماعي كان بسيطًا وصادمًا في الوقت نفسه.. كيف استطاع شخص غير مؤهل طبيًا أن يقنع هذا العدد من الناس، وأن يبني لنفسه صورة الطبيب الخبير لسنوات؟! قضايا تزوير لكن إجابة هذا السؤال اتضحت فعلا، فالدكتور لم يدخل غرفة عمليات قط ولم يجر جراحة واحدة، بل أنه امتهن فقط التشخيص، عن طريق إرسال مرضاه لمراكز الأشعة والتحاليل، ومن ثم يتابع الأشعة والتحاليل مع مرضاه، والحالة التي تلزم تدخل جراحي، يُحولها على مستشفى أو دكتور آخر «حقيقي». والأغرب، أن اسمه كطبيب للقلب كان معروفًا، بل وعيادته الطبيبة في أشهر ميادين وسط البلد، وتتجاوز قيمة كشفه مبلغ الألف جنيه! القضية التي تعامل معها البعض بدهشة، والبعض الآخر لجأ إلى السخرية، معتبرًا أن الرجل ربما يكون أول شخص في التاريخ ينتقل من دراسة اللغات إلى جراحات القلب دون المرور بكلية الطب، ناهيك عن التعليقات الساخرة، أظهرت أزمة حقيقية وأثارت أسئلة كثيرة، لعل أبرزها: كيف يمكن الحد من تكرار هذه النوع من انتحال الصفة؟! التحقيقات أسفرت عن صدور أحكام قضائية، كان أبرزها حكم بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات في إحدى قضايا التزوير المرتبطة بالواقعة، ومع ذلك، ظل الرجل بعيدًا عن الأنظار لفترة، ما أضاف فصلًا جديدًا إلى القصة التي كانت تتسع يومًا بعد يوم. وفي مطلع يونيو 2026، انتهى فصل الهروب، حيث ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه في منطقة وسط البلد بالقاهرة أثناء وجوده بالقرب من إحدى المحاكم. وللعلم خطورة القصة الحقيقية لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل تكشف أهمية التحقق من المؤهلات المهنية، خاصة في المهن المرتبطة بصحة الناس وحياتهم، فالثقة التي يمنحها المريض لطبيبه ليست مجرد إجراء روتيني، بل عقد غير مكتوب يقوم على العلم والكفاءة والمسئولية. أساتذة القلب طبيب القلب الشهير، الدكتور جمال شعبان، قال في حديثه لـ»أخبار الحوادث»: إن مجتمع جراحة القلب مغلق جدًا، وأن الجراحين يعرفون بعضهم البعض عن قرب، وهذا الشخص، تخفى طيلة هذه السنوات لأنه لم يدخل غرفة عمليات قط، لذلك لم يتداول اسمه أوساط الجراحين، لأنه لم يسبق له أن دخل غرفة عمليات أو حتى مسك مشرطًا، مؤكدًا أنه من الصعب على أعتى النصابين، مجرد المرور أمام غرفة جراحة القلب المفتوح. وأضاف: «أنا وصلتني روشتة بخط إيد المدعو د وليد الغنيمي بتاريخ 2018، وعيادته في باب اللوق، واللي بعتتها لي أكدت إنه عيادته أنيقة، وكاتب إنه مدرس في طب عين شمس، تخصص قلب وباطنة ومواقف حرجة، وغير مدون في الروشته أنه جراح قلب، والسيدة اللي أرسلت لي الروشتة، أكدت إنه دكتور شاطر، وشخص حالتها بدقة، بعد أن أجرت العديد من الأشعة والتحاليل اللازمة، وقالت لي أنه كثيرا ما يُغلق عيادته ويختفي». وأوضح» شعبان»؛ أن الجراحين في مصر معروفين بالاسم، وبالتالي ما ساعد هذا الرجل على الاختفاء طيلة هذه الفترة أنه لم يسبق له أن دخل غرفة عمليات، وأنه جلس على كرسيه في عيادته يستمع ويُحول مرضاه إلى مراكز الأشعة والتحاليل. منتحلو الصفة وفي حديثه لـ»أخبار الحوادث»، قال الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء: إن واقعة الطبيب المزعوم ليست الأولى من نوعها، مشيرًا إلى أن السنوات الماضية شهدت ضبط عدد من منتحلي صفة الأطباء في محافظات مختلفة، من بينهم أشخاص ادعوا العمل في تخصصات دقيقة مثل المخ والأعصاب وغيرها، وهو ما يؤكد أن هذه الوقائع تتكرر من وقت لآخر وتتطلب مزيدًا من اليقظة والتدقيق. وأضاف نقيب الأطباء؛ أن الشخص المتهم في الواقعة الأخيرة غير مقيد بجداول نقابة الأطباء من الأساس، وليس عضوًا بهيئة التدريس في جامعة عين شمس أو أي جامعة أخرى، كما أنه لم يحصل على ترخيص قانوني لمزاولة مهنة الطب. وأوضح «عبد الحي» أن المعلومات المتداولة بشأن العيادة التي كان يعمل من خلالها تشير إلى أنها لم تكن تحمل لافتة خارجية باسمه، ولم تكن هناك دعاية واضحة له في محيط المكان، مضيفًا أن اسمه لم يكن معلنًا على أي «يافطة» خارجية بالشارع، الأمر الذي يجعل اكتشاف مثل هذه الحالات أكثر صعوبة مقارنة بالعيادات المرخصة والمعلنة بشكل رسمي. وأكد الدكتور أسامة عبد الحي، أن النقابة تتابع بشكل مستمر الإعلانات والدعاية الخاصة بالأطباء، إلى جانب مراجعة بيانات القيد والسجلات المهنية للأعضاء، موضحًا أن اسم المتهم لم يمر على النقابة من قبل لكونه غير مقيد بجداولها ولا يحمل ترخيصًا بمزاولة المهنة. وأشار نقيب الأطباء إلى أن النقابة أتاحت للمواطنين خدمة الاستعلام الإلكتروني عن الأطباء من خلال موقعها الرسمي، بما يتيح التأكد من صحة بيانات أي طبيب قبل التعامل معه، مشيرًا إلى أن الخدمة تُظهر ما إذا كان الطبيب مقيدًا بالنقابة من عدمه، إلى جانب مؤهلاته العلمية وتخصصه ودرجته المهنية وأماكن عمله المعلنة. وشدد على أن مواجهة ظاهرة انتحال الصفة مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية والمواطنين، مؤكدًا أن النقابة تتعاون مع الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد أي شخص يثبت تورطه في ممارسة الطب دون حق. اقرأ  أيضا: «الأطباء» تثمن قرار «الأعلى للإعلام» بشأن منع ظهور منتحلة صفة طبيب