صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


بعد سقوط المسئولية الجنائية عنه..

كيف تتعامل مستشفى العباسية مع المتهم بقتل أمه وشقيقاته بالإسكندرية؟

حبيبة جمال

السبت، 13 يونيو 2026 - 04:16 ص

قررت نيابة غرب الإسكندرية الكلية، بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد المتهم ريان، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ»مأساة كرموز»؛ التي أسفرت عن مقتل والدته وإخوته الخمسة، وذلك عقب ثبوت عدم مسئوليته الجنائية وفقًا للتقارير الطبية المتخصصة.

وجاء القرار استنادًا إلى تقرير اللجنة المختصة بمستشفى العباسية للطب النفسي، الذي أكد أن المتهم كان يعاني وقت ارتكاب الواقعة من اضطراب نفسي حاد، مصحوب بحالة من الفصام، أفقدته الإدراك والاختيار، وهو ما ينفي توافر القصد الجنائي لديه.

وأوضح التقرير، أن الحالة المرضية للمتهم أثرت بشكل مباشر على وعيه وإرادته، ما يجعله غير مسئول قانونًا عن أفعاله وقت وقوع الجريمة، وفقًا لنصوص قانون العقوبات التي تشترط توافر الإدراك الكامل لتحميل المتهم المسئولية الجنائية.

ومن المنتظر أن يتم إيداع المتهم إحدى المؤسسات العلاجية المتخصصة تحت الإشراف الطبي، وفق الإجراءات القانونية المتبعة في مثل هذه الحالات، لضمان تلقيه العلاج اللازم ومتابعة حالته الصحية والنفسية.

وهنا تطوى صفحة الحكم، لكن تفتح في المقابل أسئلة أكثر عمقًا؛ ما هو دور مستشفى الصحة النفسية بالعباسية في مثل هذه الحالات؟!، وهل الإيداع هناك يعني بداية طريق للعلاج الحقيقي أم مجرد احتجاز طويل الأمد؟، وهل يمكن لمريض نفسي ارتكب جريمة أن يتعافى فعلًا ويعود إلى المجتمع بشكل آمن؟!، بين الطب والقانون، وبين العلاج والخوف، تظل هذه الحالات واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا لأنها لا تتعلق فقط بجريمة حدثت، بل بمصير إنسان؛ وفي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، تواصلنا مع عدد من الأطباء النفسيين وخبراء القانون، للإجابة على هذه الأسئلة، وحدود الدور العلاجي والقانوني فيها، وإمكانية تعافي المرضى وعودتهم إلى المجتمع من جديد.

قبل أن نتطرق إلى ما يحدث خلف أسوار مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية، بالنسبة للمتهمين الذين ثبتت إصابتهم باضطرابات نفسية، كان لابد أولًا من التوقف عند مفهوم المسئولية الجنائية، وما الذي يقوله القانون في حال فقدان المتهم لإدراكه وقت ارتكاب الجريمة.

لذلك تواصلنا مع محمد كساب، المحامي، ليوضح لنا الإطار القانوني الحاكم لهذه الحالات، والفارق بين من يسأل جنائيًا عن أفعاله، ومن تنتفي عنه المسئولية بسبب حالته النفسية؟، فقال: "المسئولية الجنائية في جوهرها تقوم على قدرة الإنسان على الإدراك والاختيار.. بمعنى أبسط هل كان الشخص واعيًا بما يفعل؟ وهل كان لديه حرية أن يختار طريقًا آخر؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهو يُسأل عن أفعاله، أما إذا انتفت هذه القدرة، تسقط عنه المسئولية".

وأوضح: "القانون المصري استقر منذ صدور قانون العقوبات عام 1937 على مبدأ واضح، وهو أنه لا عقاب على من يفقد الشعور أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة بسبب الجنون أو عاهة عقلية، لكن التطور الأهم جاء مع تعديل المادة 62 بالقانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي، حيث وسع المشرّع دائرة الإعفاء لتشمل الاضطرابات النفسية، وليس فقط العقلية؛ فأصبح النص صريحًا في أنه لا يُسأل جنائيًا كل من كان وقت ارتكاب الجريمة يعاني من اضطراب نفسي أو عقلي أفقده الإدراك أو الاختيار".

وأضاف: "وفي المقابل، فرق القانون بدقة بين حالتين: إذا كان الاضطراب قد أفقد الإدراك تمامًا، تنتفي المسئولية الجنائية بالكامل. أما إذا كان قد أنقص الإدراك فقط دون أن يُعدمه، فهنا تظل المسئولية قائمة، لكن المحكمة تأخذ هذا الظرف بعين الاعتبار عند تقدير العقوبة".

وأضاف: "أما من الناحية الإجرائية، فقد نظمت المادة 338 من قانون الإجراءات الجنائية مسألة فحص الحالة النفسية للمتهم، حيث أجازت لجهات التحقيق أو المحكمة أن تأمر بإيداعه تحت الملاحظة في إحدى منشآت الصحة النفسية الحكومية، لمدة لا تتجاوز في مجموعها 45 يومًا، وذلك بعد سماع أقوال النيابة والدفاع، للتأكد من مدى سلامة قواه العقلية وقت ارتكاب الواقعة".

واختتم محمد كساب حديثه، قائلا: "باختصار، القانون لا يُفلت الجاني من العقاب بلا سبب لكنه في الوقت نفسه لا يُعاقب من لم يكن يملك وعيه أو إرادته.. هنا يتحقق التوازن بين العدالة والإنسانية".

رحلة العلاج

يبقى الدور الأهم خلف أسوار مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية، فما الذي يحدث في مثل هذه الحالة؟! 

تواصلنا مع الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، فقال: "عند وقوع جريمة يشتبه في أن مرتكبها يعاني من اضطراب نفسي، تبدأ الجهات المختصة في إخضاعه لسلسلة دقيقة من التقييمات الطبية؛ وتشمل هذه الإجراءات اختبارات نفسية متخصصة، وفحوصات طبية متكاملة، من بينها إجراء رنين مغناطيسي على المخ، إلى جانب جلسات تقييم فردية مع عدد من الأطباء".

وأضاف: "يشارك في هذه العملية فريق طبي يضم عدة استشاريين، قد يتراوح عددهم بين ثلاثة إلى خمسة، بالإضافة إلى الأطباء المساعدين.. ويقوم كل طبيب بإعداد تقريره بشكل مستقل، يتضمن التشخيص الطبي للحالة، ليتم بعد ذلك تجميع هذه التقارير ورفعها إلى المحكمة المختصة.. وبناءً على ما يثبت من وجود مرض نفسي، تصدر المحكمة قرارًا بإيداع المتهم داخل أحد عنابر مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية، والتي تكون تحت إشراف أمني. وخلال فترة الإيداع الإجباري، يتلقى المريض العلاج الدوائي اللازم، شأنه شأن باقي المرضى".

وأوضح: "كما تخضع الحالة لمتابعة دورية، حيث يطلع وكلاء النيابة العامة على التقارير الطبية لتقييم مدى تحسن الحالة.. وفي حال ثبوت استقرارها، يتم عرض المريض على المحكمة مرة أخرى، والتي تملك صلاحية إصدار قرار بالإفراج عنه".

وبسؤاله هل يتعافى المريض ويعود لممارسة حياته بشكل طبيعي؟ أجاب: "بالتأكيد هناك حالات عديدة تستجيب للعلاج وتتماثل للشفاء، بما يمكنها من العودة إلى حياتها الطبيعية والتعامل مع المجتمع بشكل سليم، شريطة الالتزام بالعلاج والمتابعة المستمرة".

واختتم دكتور جمال فرويز حديثه موجهًا نصيحة للناس والمجتمع، بضرورة التعامل مع هذه الحالات باعتبارها مرضية وليست جنائية فقط، داعيا إلى دعم المرضى نفسيًا واجتماعيًا، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالخطة العلاجية، لتفادي الانتكاسة وعودة الأعراض من جديد.

أما الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكى ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، قال: "تمثل الأمراض العقلية خطرًا حقيقيًا إذا لم تُكتشف مبكرًا أو تعالج بشكل مناسب، إذ قد تهدد حياة المريض نفسه وحياة المحيطين به.. وغالبًا ما تبدأ هذه الاضطرابات في الظهور مع مرحلة المراهقة أو في بدايات العقد الثاني من العمر، نتيجة عوامل وراثية تؤثر على كيمياء المخ، إلى جانب ضغوط بيئية وأزمات نفسية قد تسهم في تفاقم الحالة، خاصة في حال تجاهل الأعراض الأولية أو عدم تلقي العلاج".

وأضاف: "تعد أمراض مثل الفصام العقلي، والاكتئاب الوجداني ثنائي القطب، والاضطرابات الذهانية، من أبرز هذه الحالات، حيث تصاحبها أعراض خطيرة مثل الضلالات الفكرية، التي تجعل المريض يعتقد أن الآخرين يتآمرون عليه أو يهددون حياته، إلى جانب الهلاوس السمعية والبصرية، التي قد تدفعه لسماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة، بل وقد تصل إلى إصدار أوامر له بارتكاب أفعال عنيفة.. وفي حال تفاقم المرض، قد يفقد المريض السيطرة على سلوكياته وانفعالاته، ويصل إلى ما يُعرف بفقدان الإرادة، وهو ما ينعكس قانونيًا على مسئوليته الجنائية، حيث لا يحاسب المريض العقلي فاقد الإدراك على أفعاله، بخلاف من يعانون من اضطرابات نفسية لا تؤثر على قدرتهم على التحكم في سلوكهم".

وأضاف: "ومن واقع الخبرة العملية داخل مستشفيات الصحة النفسية، يتم التعامل مع المتهمين في قضايا جنائية من خلال إيداعهم في عنابر مخصصة تحت الملاحظة، لفترة تصل إلى 45 يومًا، يتم خلالها تقييم الحالة بدقة من خلال فريق متكامل يضم أطباء نفسيين وأخصائيين وتمريض.. كما تشكل لجنة متخصصة لإعداد تقرير شامل يعرض على المحكمة لإثبات الحالة المرضية".

أما عن مراحل العلاج، فقال: "تشمل مراحل العلاج تقديم الأدوية المناسبة، إلى جانب جلسات العلاج النفسي الفردي والجماعي، والعلاج بالعمل والفن، بهدف إعادة تأهيل المريض ودمجه تدريجيًا داخل المجتمع. وقد تستغرق رحلة العلاج عدة أشهر، لا تقل غالبًا عن تسعة أشهر، وفقًا لطبيعة الحالة ومدى استجابتها.. وفي بعض الحالات، خاصة تلك المرتبطة بجرائم عنف جسيمة مثل جريمة كرموز، قد يحتاج المريض إلى فترة أطول من الرعاية المكثفة والدعم النفسي والاجتماعي، لا سيما إذا كان يفتقد لبيئة أسرية داعمة بعد تحسن حالته".

وأوضح، "في حالة مريض الإسكندرية لابد من توفير رعاية ودعم جاد ومستمر خاصة أن المريض لا يوجد  له أسرة تستقبله وتقدم الدعم له بعد تحسن حالته لذا يحتاج لنوع من الدعم النفسي والاجتماعى بشكل خاص حتى نضمن له حياة سوية بعد تحسن حالته".

واختتم دكتور أحمد فخري حديثه بتقديم نصيحة للجهات التنفيذية والأسر والجمعيات الأهلية والمجلس القومي للصحة النفسية بتبني سياسة جديدة تجاه الثقافة النفسية داخل المجتمع والكشف المبكر على الفئات الأكثر عرضه للأمراض النفسية والاهتمام بالوقاية والتعريف بالمرض النفسي لنشر المعرفة بين فئات المجتمع المختلفة".

 

***

 

وفي النهاية وحتى بعد انتهاء رحلة العلاج، لا تنتهي المعركة؛ فالمريض النفسي الذي ارتكب جريمة، ونجح في التعافي، لا يواجه فقط تحدي العودة إلى حياته الطبيعية، بل يصطدم بنظرة مجتمع لا ينسى بسهولة وربما لا يغفر؛ فهل نمنح المتعافي فرصة حقيقية للبداية من جديد؟ أم نظل نحبسه داخل صورة قديمة لا تعكس واقعه الحالي؟!

الأطباء يؤكدون أن التعافي ممكن، بل وواقعي في كثير من الحالات، لكن استمراره لا يعتمد على العلاج وحده، بل على بيئة داعمة، وفهم مجتمعي واعٍ يدرك أن المرض النفسي ليس وصمة، وأن من تعافى لا يجب أن يعاقب مرتين؛ مرة بالقانون، ومرة بنظرة الناس. 

اقرأ  أيضا: ربة منزل و 5 أبناء.. تطور قضائي هام في قضية "مذبحة كرموز" بالإسكندرية

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة