صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


صرخة أب: حماتي حرمتني من رؤية طفلتي بعد وفاة زوجتي

نهى رجب

السبت، 13 يونيو 2026 - 04:20 ص

في ركن داخل المطار، يقف الأب كل مرة أمام بوابة الوصول، لا يحمل في يده سوى حقيبة سفر صغيرة، وفي قلبه شوق بحجم ست سنوات كاملة ينظر حوله، يتفحص الوجوه، كأنه ينتظر معجزة؛ أن تظهر فجأة طفلة تركها يومًا بين ذراعيه، تعود إليه راكضة كما كانت تفعل لكنه يعرف في قرارة نفسه أن هذا لن يحدث، يخرج من المطار وحده، كما دخل وحده، ويبدأ رحلة جديدة من الانتظار.

في هذا الحوار، يفتح الأب قلبه لأول مرة، متحدثًا عن قصة الحب التي جمعته بزوجته، وعن صدمة الفقد، ثم عن معركة الرؤية التي يعيشها حتى اليوم، مزيد من التفاصيل فى حوارنا مع الأب؟، وماذا قالت لنا المحامية نهى الجندي؟!

في البداية كيف بدأت قصة حبك مع زوجتك؟

كانت إنسانة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى تعرفنا إلى بعضنا في ظروف عادية، لكن العلاقة  تطورت سريعًا إلى حالة من التفاهم والارتباط الحقيقي.

كنت أشعر معها بالطمأنينة، وكانت هي الأقرب إلى قلبي، أحببنا بعضنا بصدق، وتمسك كل منا بالآخر رغم الصعوبات التي واجهتنا منذ البداية.

تقصد بالصعوبات رفض الأسرة لهذه الزيجة؟

نعم، تحديدًا والدتها، منذ اللحظة الأولى كانت ترفض فكرة زواجي منها، رغم أن ظروفي المادية مستقرة، أعمل مهندسًا خارج مصر، والحمد لله كنت قادرًا على توفير حياة كريمة ومستقرة.

لكن أحيانًا لا تكون المشكلة في الإمكانيات أو الظروف، بل في عدم القبول الشخصي، حاولت كثيرًا أن أكسب ثقتها، وأن أثبت لها أنني أحب ابنتها وسأحافظ عليها، لكن علاقتها بي لم تكن مريحة أبدًا بالنسبة لها.

وهل أثّر ذلك على حياتكما بعد الزواج؟

زوجتي كانت تحاول دائمًا احتواء أي توتر، وكانت حريصة على استمرار العلاقة الأسرية بشكل طبيعي وبصراحة، كنا نعيش حياة هادئة ومستقرة إلى حد كبير.

وعندما رزقنا الله بابنتنا، شعرت أن حياتي اكتملت، أصبحت هي محور حياتنا بالكامل، وكل ما أفعله في عملي أو غربتي كان من أجلهما.

لكن طبيعة عملك فرضت عليك السفر؟

بالتأكيد، وكانت تلك من أصعب الأمور بالنسبة إلي، الغربة ليست سهلة أبدًا، لكنني اضطررت للسفر من أجل توفير مستقبل أفضل لأسرتي.

ورغم وجودي خارج مصر، لم أشعر يومًا أنني بعيد عنهما نفسيًا، كنت على تواصل يومي مع زوجتي وابنتي، عبر مكالمات الفيديو والرسائل، وكنت أحرص على مشاركتهما كل تفاصيل حياتي.

كل إجازة كنت أعود فيها إلى مصر كانت بالنسبة لي عيدًا حقيقيًا، لأنني أستعيد خلالها إحساس البيت والأسرة.

ماذا حدث بعد ذلك؟

ما حدث كان صدمة قاسية لا يمكن وصفها بسهولة، زوجتي توفيت بشكل مفاجئ، وفي لحظة واحدة شعرت أن حياتي كلها انهارت.

فقدت الإنسانة التي أحببتها، وشريكة عمري، وأصبحت فجأة أواجه الحياة وحدي.

الأصعب من ذلك أن ابنتي كانت صغيرة جدًا وقتها، ولم تكن تدرك معنى فقدان الأم.

كيف بدأت أزمة الرؤية بعد وفاة زوجتك؟

بعد الوفاة، انتقلت ابنتي للعيش مع جدتها لأمها، وأنا احترمت ذلك في البداية، مراعاة للحالة النفسية التي كانت تمر بها الأسرة.

كنت أتصور أن الأمور ستسير بشكل طبيعي، وأنني سأظل حاضرًا في حياة ابنتي، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.

كل محاولة لرؤيتها كانت تُقابل بالرفض أو التأجيل أو التجاهل، مرة بحجة أنها مريضة، ومرة بحجة انشغالها بالدراسة، ومرة دون أي مبرر واضح، مع مرور الوقت أدركت أن الأمر لم يعد مجرد ظروف عابرة، بل أصبح تعنتًا واضحًا.

هل حاولت الوصول إلى حل ودي؟

كثيرًا جدًا، أنا بطبيعتي لا أحب المشكل اتأو الصراعات، ولم أكن أرغب في تحويل الأمر إلى نزاع قضائي، لأن المتضرر الأول في النهاية هو الطفلة نفسها.

كل ما طلبته هو أن أرى ابنتي خلال إجازاتي القصيرة، أنا لا أقيم في مصر طوال العام، ومن الطبيعي أن أحتاج إلى قضاء وقت كافي معها عندما أعود، لكن للأسف، حتى هذا الحد الأدنى لم يكن متاحًا.

هل شعرت أن الخلاف القديم مع والدة زوجتك استمر بعد الوفاة؟

بصراحة نعم أشعر أن رفضها القديم لي لم ينتهِ أبدًا، وربما ازداد بعد وفاة زوجتي، لأنها كانت دائمًا الطرف الذي يحاول تهدئة الأمور.

بعد رحيلها شعرت أنني أصبحت وحدي تمامًا في مواجهة هذا الوضع.

متى كانت آخر مرة رأيت فيها ابنتك؟

منذ سنوات طويلة، لدرجة أنني أشعر أحيانًا أن الزمن يمر وأنا ثابت في مكاني.

ابنتي تكبر بعيدًا عني، وأنا لا أعرف تفاصيل حياتها، لا أعرف ماذا تحب، ماذا تخاف، كيف أصبحت شخصيتها الآن.

أحيانًا أجلس لساعات أتأمل صورها القديمة، وأتساءل: هل ما زالت تتذكرني؟ هل تسأل عني كما أسأل عنها كل يوم؟!

ما أكثر شيء يؤلمك نفسيًا فى هذه الأزمة؟

الخوف، أخشى أن تكبر وهي تظن أنني تخليت عنها أو قصرت في حقها، بينما الحقيقة أنني مُنعت عنها، وهناك فرق كبير بين أب غائب بإرادته، وأب محروم من ابنته رغمًا عنه.

أنا فقدت زوجتي بالفعل، ولا أحتمل فكرة أن أفقد ابنتي أيضًا وهي لا تزال على قيد الحياة.

هل حاولت اللجوء إلى القانون؟

حاولت، لكن ظروف عملي بالخارج تجعل الأمر معقدًا، أنا لا أستطيع البقاء في مصر لفترات طويلة لمتابعة الإجراءات بشكل مستمر.

كما أنني اكتشفت أن الحصول على الحق قانونيًا لا يعني دائمًا القدرة على تنفيذه عمليًا.

ماذا تتمنى الآن؟

أتمنى فقط أن أرى ابنتي بشكل طبيعي وإنساني، بعيدًا عن أي صراعات أو خلافات.

أريد أن تعرفني بنفسها، لا من خلال روايات الآخرين، أريدها أن تشعر أن والدها يحبها ويتمسك بها ولم يتخلَّ عنها يومًا.

أنا لا أطلب المستحيل، بل أطلب حقًا طبيعيًا لي ولها أيضًا.

وهل ما زلت متمسكًا بالأمل؟

بالطبع، أي أب لا يمكن أن يفقد الأمل في ابنه أو ابنته رغم كل ما حدث، ما زلت في كل مرة أعود فيها إلى مصر أتمنى أن أراها، ربما تكبر قليلًا وتفهم الحقيقة بنفسها، أنا أعيش على هذا الأمل.

تسوية

أزمة الرؤية تعد واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا داخل قانون الأحوال الشخصية، خاصة في الحالات التي يكون فيها أحد الوالدين مسافرًا أو مغتربًا لذلك تحدثنا مع المحامية نهى الجندي المتخصصة في قضايا الأسرة والتي تبنت هذه القضية حيث أكدت لنا قائلة: أن القانون الحالي يمنح الأب حق الرؤية، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في آليات التنفيذ، قائلة: فتحت ملف تسوية مع الحماة فالأب مسافر خارج مصر بين إيطاليا والسعودية بحكم عمله مهندس بترول وطبعاً أم زوجته الراحلة لم تذهب ولا مرة إلى مكتب التسوية، والقصد من هذا هو منعه من رؤية ابنته.

النقطة الثانية، حماته تخطط أن يرفع قضية رؤية أمام المحكمة وأكيد القاضي سوف يحكم له برؤية ابنته ونظرًا لوجوده خارج البلاد وفى حالة عدم ذهابه لمكان الرؤية ثلاث مرات تسقط الرؤية من عليه، وهذا ما تريده حماته لهذا السبب فتحنا ملف تسوية داخل المحكمة يتم الاتفاق من خلالها على أن يرى الأب ابنته عند نزوله إجازة، المؤلم أن الأب أرمل أي لم يكن هناك انفصال بالطلاق مثلا مع زوجته قبل الوفاة بل جمعتهما قصة حب كللت بالزواج.

وتضيف المحامية نهى الجندي؛ هذا الملف يناقش حاليًا في لجنة الحوار الوطني؛ أزمة الأب الأرمل والرؤية خاصة أن ظروف عمله تقتضيه أن يكون خارج مصر. 

هذا الأب يعيش مأساة إنسانية حقيقية مؤكدة أن القانون كفل للأب حقه في رؤية أبنائه شرعًا وقانونًا، باعتبار أن وجود الأب في حياة الطفل ليس رفاهية، بل حق أصيل للطفل ووالده معًا.

وأضافت:òمثل هذه الحالات كانت سببًا رئيسيًا في المطالبة داخل جلسات الحوار المجتمعي ولجنة الحوار الوطني بضرورة التوسع في نظام الاستضافة، لأن نظام الرؤية التقليدي في كثير من الأحيان لا يسمح ببناء علاقة طبيعية بين الأب وأبنائه، خاصة إذا كان الأب مغتربًا أو يعمل خارج البلادò.

كما وجهت رسالة إلى الأمهات، مؤكدة أن الخلافات الزوجية لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة بين الأب وأبنائه، مضيفة: أي خلاف بين الزوجين لا يعني أبدًا حرمان الأب من أولاده، لأن الأب من حقه شرعًا وقانونًا أن يشارك في التربية والرعاية، والطفل في النهاية يحتاج إلى وجود الأب والأم معًا بشكل متوازن.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن لديها أملًا كبيرًا في أن يحمل مشروع القانون الجديد حلولًا أكثر عدالة وإنسانية، خاصة فيما يتعلق بزيادة ساعات الاستضافة وتسهيل التواصل بين الطفل والطرف غير الحاضن، بما يحقق المصلحة الفضلى للأطفال ويحافظ على الروابط الأسرية.

اقرأ  أيضا: الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟

 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة