مصر والسودان.. أخوّة لا تهزها حملات التشويه| القاهرة تفضح أكاذيب «الجارديان»

اللاجئين السودانيين

السبت، 13 يونيو 2026 - 04:39 ص

ياسمين عبدالحميد

مصر لم تكن يومًا دولة عابرة فى أزمات جوارها، ولم يكن موقفها من الأشقاء مُجرد رد فعل سياسى مؤقت، بل ظل على مدار عقود طويلة انعكاسًا لعقيدة راسخة تعتبر أمن واستقرار المنطقة امتدادًا مُباشرًا لأمنها القومى، ومن هنا جاءت موجة الجدل التى أثارها تقرير صحيفة "الجارديان" البريطانية حول أوضاع اللاجئين السودانيين فى مصر، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الفارق بين نقل الواقع كما هو، وبين تقديم صورة مُجتزأة لا تعكس حجم الجهود التى بذلتها الدولة المصرية منذ اندلاع الحرب فى السودان. وبينما حاولت "الجارديان" تسليط الضوء على ادعاءات كاذبة وفبركات لا أساس لها من الصحة تتعلق بالتعامل مع طالبى اللجوء، جاء الرد المصرى الرسمى والسياسى ليؤكد أن الصورة الكاملة أكثر اتساعًا وتعقيدًا من روايات تعتمد على حالات فردية أو مشاهد مُنفصلة عن سياقها العام، حيث ردّت الهيئة العامة للاستعلامات بشكل رسمى على ما نشرته الصحيفة البريطانية، مؤكدة أن مصر استقبلت مئات الآلاف من السودانيين الفارين من الحرب، وقدمت لهم مُختلف أوجه الرعاية والخدمات، فى إطار من المسئولية الإنسانية والتاريخية تجاه الشعب السودانى الشقيق. وفند السفير علاء يوسف رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للاستعلامات فى خطاب موجه إلى صحيفة "الجارديان" الادعاءات والاستنتاجات التى ساقتها الصحيفة فى تقريرها، واصفًا إياها بأنها تفتقر للموضوعية وتستند لصورة جزئية لا تعكس الواقع الكامل للأوضاع المتعلقة باستضافة مصر للأشقاء السودانيين الذين اضطروا لمُغادرة بلادهم بسبب الحرب، مؤكدًا أن الدولة المصرية تُطبق قوانين الإقامة على جميع الأجانب بمن فيهم الأشقاء السودانيون، وفق قواعد قانونية واضحة ومن دون تمييز، مُشددا على أن اختزال المشهد فى وقائع فردية لا يمثل الواقع الحقيقى، ولا يتوافق مع المعايير المهنية المفترض اتباعها فى تناول قضايا إنسانية بهذا الحجم. رد شامل الرد المصرى على ما نشرته االجارديانب لم يكن صادرًا من جهة رسمية فقط، بل امتد لمختلف القوى السياسية والبرلمانية والحزبية، التى اعتبرت أن مصر لا تحتاج شهادات خارجية لتثبت تاريخها فى استقبال الأشقاء ودعم الشعوب التى تمر بأزمات. حيث أكد الدكتور باسل عادل رئيس حزب الوعى أن التقرير تضمن استنتاجات وأحكاما عامة لا تعكس ولا تتفهم بصورة منصفة الواقع المعقد للأزمة السودانية ولا طبيعة الدور المصرى التاريخى والإنسانى تجاه الأشقاء السودانيين، مُشددًا على حجم التباين بين السردية التى قدمها التقرير وبين الواقع الذى تشهده مصر منذ اندلاع الأزمة السودانية فى أبريل 2023، حيث إن أخطر ما فى بعض التغطيات الإعلامية الدولية ليس الخطأ فى المعلومة فحسب، وإنما بناء تصورات كاملة على أجزاء مبتورة من الحقيقة، وانتقاء نماذج فردية محدودة وتقديمها باعتبارها تعبيرًا عن واقع شامل، وهو منهج يفتقد التوازن المهنى ويؤدى لإنتاج صورة ذهنية غير دقيقة عن الدول والمُجتمعات. ويرى عادل أن مصر اختارت مُنذ اللحظة الأولى للأزمة السودانية أن تتعامل معها باعتبارها مسئولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون تحديًا سياسيًا أو اقتصاديًا، وفى وقت أغلقت فيه دول كثيرة حدودها أو شددت إجراءاتها، فتحت مصر أبوابها للأشقاء السودانيين، ليس فى مخيمات معزولة أو مناطق احتجاز مؤقتة، بل داخل نسيج المجتمع المصرى، حيث التحق أبناؤهم بالمدارس والجامعات، واستفادوا من الخدمات الصحية، ومارسوا أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية بصورة طبيعية تحفظ الكرامة الإنسانية وتصون الحق فى الحياة الآمنة، والتجربة المصرية فى استضافة السودانيين تمثل نموذجًا مُختلفًا يستحق الدراسة لا التشويه، فهى تجربة قامت على الاندماج لا العزل، وعلى الشراكة المُجتمعية لا الإدارة الأمنية للأزمة، وعلى اعتبار الإنسان إنسانًا قبل أى تصنيف قانونى أو إدارى، ولذلك فإن ملايين السودانيين الذين يعيشون فى مصر منذ سنوات طويلة، وقبل اندلاع الحرب الحالية بوقت كبير، لم يكونوا يومًا غُرباء عن المُجتمع المصرى، بل كانوا جزءًا من حركة التعليم والعمل والاستثمار والتبادل الثقافى التى ربطت الشعبين عبر عقود مُمتدة. نموذج عالمى ما قدمته مصر للسودانيين منذ اندلاع الأزمة يُمثل نموذجًا فى التعامل مع موجات النزوح، خصوصًا أن الأزمة السودانية جاءت فى توقيت إقليمى ودولى شديد التعقيد، فرض ضغوطًا كبيرة على دول الجوار. حسبما يؤكد رامى زهدى خبير الشئون الإفريقية، الذى يُشير إلى أنه منذ اندلاع الحرب السودانية فى أبريل 2023، واجهت المنطقة واحدة من أكبر موجات النزوح القسرى فى القارة الإفريقية وربما فى العالم خلال العقد الأخير، ملايين السودانيين اضطروا لمُغادرة منازلهم هربًا من آلة الحرب والانهيار الأمنى، وتوجهت النسبة الأكبر منهم للدول المجاورة وبمُقدمتها مصر، بحكم الجوار الجغرافى والتداخل الاجتماعى والتاريخى بين الشعبين، مُشددًا على أن مصر لم تتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها مجرد ملف حدودى أو تحدٍ أمنى، بل باعتبارها أزمة إنسانية تخص شعبًا يرتبط بها بروابط تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية، ولهذا السبب لم تتجه القاهرة لنموذج المُخيمات المُغلقة الذى تبنته دول عديدة حول العالم، بل رحبت بالأشقاء الوافدين السودانيين بالإقامة داخل المدن والأحياء السكنية المصرية، والانخراط فى الحياة اليومية، بما يضمن الحفاظ على الكرامة الإنسانية ويجنبهم العزلة الاجتماعية التى تنتجها غالبا بيئات اللجوء المغلقة. وأضاف زهدى، أن التجربة المصرية فى هذا الملف تستحق دراسة موضوعية من جانب الباحثين والمؤسسات الدولية، لأنها تقدم نموذجًا مُختلفًا عن كثير من النماذج التقليدية فى إدارة أزمات النزوح، فبدلًا من عزل الوافدين عن المُجتمع المضيف، تم دمجهم فى المدارس والجامعات وسوق العمل والخدمات الصحية، رغم الضغوط الاقتصادية الهائلة التى تواجهها الدولة المصرية بالأساس نتيجة التحديات الإقليمية والدولية المتلاحقة، منوهًا بأن الدولة تستضيف ملايين الأجانب والوافدين من جنسيات مُتعددة، وتُقدم لهم خدمات أساسية دون تمييز يذكر بين مواطن ووافد فى قطاعات عديدة، وهو واقع يصعب تجاهله عند تقييم المشهد بصورة منصفة، مُشددًا على أن العلاقات االمصرية ـ السودانيةب ليست نتاجًا لظروف الحرب الحالية، بل هى امتداد لتاريخ طويل من التفاعل الإنسانى والثقافى والاجتماعي، فقبل الحرب بسنوات طويلة كان السودانيون يعيشون ويدرسون ويعملون ويستثمرون فى مصر، وكان المصريون حاضرين فى السودان بمُختلف المجالات، ولذلك فإن محاولة تصوير العلاقة بين الشعبين من خلال عدسة الأزمة الراهنة فقط تمثل اختزالًا شديدًا لتاريخ ممتد من الروابط المشتركة. واختتم زهدى بأن القضية الأساسية لا تتعلق بالدفاع عن مصر بقدر ما تتعلق بالدفاع عن الحقيقة ذاتها، فالأزمات الإنسانية الكبرى تستحق صحافة دقيقة ومتوازنة، لا صحافة تبحث عن العنوان الأكثر إثارة، كما أن معاناة السودانيين الهاربين من الحرب تستحق تضامنًا دوليًا حقيقيًا يركز على إنهاء أسباب المأساة فى السودان ودعم الدول المستضيفة، بدلًا من إنتاج سرديات إعلامية قد تحقق الانتشار لكنها لا تقترب كثيرًا من الواقع، فالحقائق الكبرى لا تُبنى على شهادات مُنتقاة، والعدالة الإعلامية لا تتحقق عبر النظر لنصف الصورة فقط. روابط عميقة من جانبه يرى محمد ممدوح عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصرى أن مصر لم تتعامل مع السودانيين باعتبارهم "لاجئين فقط" بل باعتبارهم أشقاء تجمعهم روابط تاريخية وجغرافية وثقافية عميقة، وهو ما انعكس فى طبيعة التعامل معهم داخل المجتمع المصرى، مُعربًا عن استغرابه مما ورد فى التقرير المنشور بصحيفة "الجارديان" البريطانية تحت عنوان االفقر والعنصرية والاختفاء القسرى.. لماذا يغادر لاجئو الحرب السودانيون مصر إلى أوروباب، مُعتبرًا أن التقرير قدم صورة جزئية وانتقائية لا تعكس الواقع الكامل للتعامل المصرى مع الأشقاء السودانيين الفارين من ويلات الحرب. وشدد ممدوح على أن الدفاع عن حقوق اللاجئين لا يتعارض مع ضرورة تحرى الدقة والإنصاف عند تقييم أوضاعهم، فالمقاربة الحقوقية السليمة تقتضى النظر للصورة كاملة، بما فى ذلك حجم الأعباء التى تتحملها الدولة المصرية والجهود التى تبذلها المؤسسات الوطنية فى توفير الحماية والخدمات الأساسية لملايين الوافدين واللاجئين، مُضيفًا أن مصر تُعد من الدول القليلة التى لم تنشئ مخيمات مغلقة للاجئين، بل أتاحت لهم الاندماج داخل المجتمع وممارسة حياتهم الطبيعية فى التعليم والعمل والحصول على الخدمات المُختلفة، وهو نموذج يحظى بإشادة العديد من المؤسسات الدولية المعنية بقضايا اللجوء والهجرة، مُختتمًا بأن أى ادعاءات تتعلق بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان يجب التعامل معها من خلال آليات الرصد والتحقق المُستقلة، وبما يضمن عدم الخلط بين الحالات الفردية - إن وجدت - وبين السياسات العامة للدولة أو الواقع الذى يعيشه ملايين السودانيين المقيمين فى مصر، منوهًا بأن حماية اللاجئين واحترام كرامتهم الإنسانية مسئولية مُشتركة تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا وتقاسمًا عادلًا للأعباء، فمعالجة أزمة اللجوء لا تكون من خلال توجيه الانتقادات للدول المستضيفة التى تتحمل أعباء إنسانية جسيمة، وإنما عبر دعم الجهود الرامية لإنهاء النزاعات ومُعالجة الأسباب الجذرية التى تدفع ملايين الأشخاص للنزوح واللجوء. اقرأ  أيضا: المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين: السودان يعيش أزمة إنسانية غير مسبوقة