الدكتور عاصم سلامة يفك لغز الصمود الأبدي.. لماذا لم تُسقِط الزلازل الأهرامات؟
السبت، 13 يونيو 2026 - 04:43 ص
عصام عطية
على مدار أكثر من 4600 عام، وقفت أهرامات الجيزة شامخة فى وجه الزمن، ليس فقط أمام عوامل التعرية والرياح، بل وأمام هزات أرضية عنيفة ضربت مصر عبر التاريخ؛ كان أبرزها زلزال عام 1847 الذى بلغت قوته التقديرية 6.8 درجة وضرب جنوب القاهرة، وزلزال عام 1992 الشهير بقوة 5.9 درجة والذى لم يصب الهرم الأكبر إلا بسقوط أحجار طفيفة من قمته.
هذا الصمود الأسطورى لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عبقرية هندسية ااستثنائيةب كشف عن أسرارها بحث علمى حديث نُشر فى مجلة اتقارير علميةب (Scientific Reports)، ليجيب بالأرقام والأدلة الفيزيائية عن السؤال القديم: كيف نجت الأهرامات من الزلازل؟
ـ الدراســــة التــــى قــــادهـــا العـــــالم الجــيوفيزيائى عاصم سلامة بالمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، اعتمدت على وضع أجهزة استشعار للاهتزازات فائقة الحساسية فى 37 موقعاً مختلفاً داخل وحول الهرم الأكبر (هرم خوفو)، وتم تسجيل هذه القياسات بدقة فى أوقات خلو الهرم تماماً من الوفود السياحية لضمان نقاء البيانات المحيطة.
وجاءت النتائج مذهلة، حيث تبين أن الهرم الأكبر يمتلك نظاماً داخلياً ذكياً لتخميد واحتواء الهزات الأرضية، فعلى الرغم من أن اهتزازات الأرض الطبيعية المحيطة بالهرم تسجل تردداً يبلغ نحو 0.6 هيرتز فإن مستشعرات الهرم سجلت تردداً داخلياً موحداً ومختلفاً تماماً يتراوح بين 2 و2.6 هيرتز. هذه االفجوة التردديةب تعنى عملياً أن الهرم ينفصل فيزيائياً عن الاهتزازات القادمة من باطن الأرض أثناء حدوث الزلازل، مما يقلل من تأثير الهزة على بنيانه.
المثير فى الدراسة أن الاهتزازات تزداد طبيعياً كلما ارتفعنا نحو قمة الهيكل وهو سلوك فيزيائى يشبه ما يحدث فى ناطحات السحاب الحديثة التى تُبنى لتتأرجح لكن هذا التدفق الاهتزازى ينقطع فجأة وبشكل ذكى عند ارتفاع 200 قدم (61 متراً) داخل الهرم. ما الذى يحدث هناك؟
هنا يأتى دور اغرف تخفيف الضغطب (Pressure-Relieving Chambers) الخمس التى تقع فوق غرفة دفن الملك خوفو مباشرة، هذه الغرف التى كان يُعتقد فى الماضى أن وظيفتها تقتصر على تخفيف الحمل الهندسى وثقل الأحجار عن غرفة الملك، أثبت البحث الجديد أنها تعمل أيضاً اكممتص صدماتب ديناميكي، يقوم بتشتيت وتخميد الموجات الزلزالية الصاعدة، ومنعها من تدمير قمة الهرم أو خلخلة كتلته البنائية.
التقينــا البــــاحث الجيـــوفــــيزيائى الدكتــــور عــاصـم سلامة، أحد الأركان الأساسية فى هذا البحث المثير، من المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بالقاهرة، ليفتح لنا كواليس هذا الكشف العالمي، ويفك بالأرقام والمستشعرات لغز اغرف تخفيف الضغطب التى تحولت من مجرد تصميم إنشائى إلى اممتص صدماتب ديناميكى يحمى قمة خوفو من الاهتزاز.
بالعودة إلى البداية، ما الذى دفع فريقكم العلمى للتركيز على فرضية امقاومة الزلازلب فى الهرم الأكبر تحديداً؟ هل كان هناك مؤشر فيزيائى معين قادكم للبدء؟
ـ فى البداية يجب أن نوضح أن فكرة هذا البحث نبعت من رؤية الدكتور محمد الجابرى (الأستاذ بالمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)، بالتعاون مع الدكتور هشام حسين موسى، فقد كان لديهما اهتمام وشغف ممتد منذ فترة طويلة بدراسة الأهرامات من الناحيتين الجيوفيزيقية والهندسية، وقاما بقيادة هذا الفريق البحثى باقتدار لإجراء كافة القياسات والدراسات.
وأضاف: إن الاهتمام بالمواقع الأثرية من الناحية الجيوفيزيقية ـ ونعنى به دراسة سلوك المبانى التاريخية وتفاعلها مع التربة المحيطة- يعد أحد المحاور الأصيلة والأساسية فى اهتمامات ونشاط المعهد القومى للبحوث الفلكية.
استعنتم بـ37 جهاز استشعار داخل وخارج الهرم، واشترطتم خلوه تمامًا من السياح ما هى التحديات اللوجستية والفنية التى واجهتكم فى رصد هذه االاهتزازات المحيطةب داخل ممرات ضيقة ومغلقة مثل غرف تخفيف الضغط؟
ـ بالتأكيد العمل داخل أثر بحجم الهرم الأكبر يتطلب دقة وحذراً شديدين، وهنا لا بد من الإشادة بالتنسيق الكامل والدعم الذى تلقيناه من وزارة السياحة والآثار، والمجلس الأعلى للآثار، واللجنة الدائمة، بالإضافة إلى إدارة منطقة الأهرامات؛ حيث نتوجه لهم جميعاً بالشكر على مساندتهم وتذليل كافة العقبات والمصاعب التى واجهتنا خلال فترة القياسات، أما عن الجانب الفنى فقد قام الدكتور محمد الجابرى بنفسه بالصعود وقياس اغرف تخفيف الضغطب، وهى المنطقة التى كانت تمثل أصعب وأعقد نقاط القياس على الإطلاق نظراً لطبيعتها الإنشائية وضيقها ولكن الشغف العلمى الصادق لدى الباحث هو ما منحه المرونة والقدرة على التعامل مع هذه الظروف الصعبة والوصول إلى أدق القياسات.
ذكرتم فى البحث أن تردد الهرم (2.0 - 2.6 هيرتز) يختلف تماماً عن تردد الأرض المحيطة به (0.6 هيرتز) بلغة مبسطة للقارئ، كيف تجعل هذه االفجوة التردديةب الهرم وكأنه يعيش فى معزل عن حركة الأرض أثناء الزلزال؟
ـ إذا نظرنا إلى الدراسات الجيوتقنية الحديثة سنجد أن هذا المفهوم يمثل أحد الشروط الصارمة الأساسية فى كود البناء بالدول المعرضة للزلازل بكثرة مثل اليابان؛ حيث يتم تعمد إحداث اختلاف بين تردد المبنى وتردد التربة لتقليل وامتصاص الهزات السيزمية (الزلزالية)، المصرى القديم طبّق هذا المفهوم بعبقرية فطريّة؛ فإلى جانب اختيار التربة الصخرية الصلبة ومواد البناء القوية التى ساعدت الهرم الأكبر ليبقى الأثر الوحيد الصامد من عجائب الدنيا السبع، فإن هذه التجربة البنائية لم تأتِ طفرة واحدة، بل جاءت نتيجة رحلة طويلة من التعلم التراكمى وتجربة بناء أهرامات أخرى سبقت هرم خوفو، حتى وصل الأجداد إلى هذه الذروة من التقدم الهندسي.
لقرون طويلة، ساد اعتقاد بأن اغرف تخفيف الضغطب الخمس فوق غرفة الملك بُنيت فقط لتوزيع الأحمال الإنشائية. بحثكم أثبت أنها تعمل كـاممتص صدماتب (Dampeners) ديناميكي. هل تعتقد أن المهندس المصرى القديم تعمد تصميمها هندسياً لهذه الوظيفة المزدوجة، أم أنها كانت عبقرية وليدة الصدفة؟
ـ علمياً يمكننا الجزم بأن وجود غرف تخفيف الضغط فوق غرفة الملك ليس من قبيل الصدفة أبدًا، بل هى نتاج مباشر لسلسلة من تجارب التعلم والخطأ والتقويم التى خاضها المهندس المصرى القديم فى أمور البناء والاتزان الهيكلى، لقد أدرك بخبرته العملية المتراكمة كيفية حماية سقف غرفة الدفن من الانهيار، وفى الوقت نفسه صنع نظاماً معمارياً يمتص الطاقة الحركية الناتجة عن الزلازل ويشتتها.
بناء على نتائجكم، إذا قارنا الهرم الأكبر أثناء الزلزال اناطحة سحاب حديثةب مصممة للتأرجح، أين تكمن نقاط التشابه والاختلاف فى امتصاص الطاقة الزلزالية؟
ـ ناطحات السحاب الحديثة فى أمريكا على سبيل المثال أو كمنشأة عملاقة مثل برج خليفة فى دولة الإمارات يتبع تصميمها نظامًا متكاملًا يضم أجهزة رصد للزلازل ومســـتشــــعرات للشــــوشــــرة الــزلــزالية، والهدف منها هو قياس أى تغيير فى ترددات الأدوار العليا أو العجلة الزلزالية، وتلك محددات صارمة فى هندسة الاتزان المعاصرة لما بعد البناء، وهنا يكمن الاختلاف؛ فالمصرى القديم لم يمتلك تكنولوجيا الاستشعار الإلكترونية، لكنه حظى بأسلوبه الخاص والفريد المستمد من معتقداته الدينية ومن تجاربه السابقة المباشرة فى بداية إنشائه للأهرامات، مما جعله يصل لذات النتيجة الآمنة عبر كتل هندسية فيزيائية صماء متزنة بذاتها.
أشرتم إلى أن كل هرم يمثل حالة فريدة نتيجة تطور الفكر المعمارى، وبالنظر إلى الأهرامات الأخرى هل تتوقع أن نجد لديهم نفس الكفاءة الترددية؟
ـ الأهرامات الأخرى ما زالت بحاجة ماسة إلى دراسات جيوفيزيقية موسعة ومماثلة حتى نبدأ فى فهم أسلوب بنائها بشكل دقيق. فالأسلوب الهندسى ومفهوم الاتزان كان يتغير ويتطور حسب الأسرة الحاكمة، وحسب عقلية البنائين والمهندســـين (بمفهومنا الحديث) فى كل عصر؛ مما يجعل من كل هرم حالة دراسية مستقلة بذاتها.
أخيراً دكتور عاصم بعد هذا البحث الذى يثبت بالأرقام القاطعة عبقرية العقل المصرى القديم، ما هو ردكم العلمى على الأصوات التى تنسب هذا الإعجاز لقوى خارجية أو كائنات فضائية؟
ـ الحديث عن كائنات فضائية أو قوى خارجية بنت الأهرامات كلام غير صحيح بالمرة وعارٍ تماماً من الصحة، بل إن اأكذوبة الكائنات الفضائيةب هى محض بروباجندا وفبركة غربية لا تستند لأى علم، ما أثبتته أجهزتنا وقياساتنا هو أن الذكاء المصرى الأصيل والتفكير البشرى الممنهج، والتخطيط الصارم عوامل أدت إلى تطور البناء تدريجياً على يد المصرى القديم، وحتى المحاولات الأخيرة لترويج أن من بنى الأهرامات قبائل جاءت من عمق إفريقيا (المركزية الإفريقية)، ادعاءات غير حقيقية تمامًا، فالأهرامات مصرية خالصة فكرًا وتصميمًا وتنفيذًا.