أسرار الأحجار الكريمة|

الأحجار الكريمة

السبت، 13 يونيو 2026 - 08:12 م

هاجر عودة

منذ أن زينت قلادات اللابس والفيروز ملوك الفراعنة، وحتى اليوم ظلت الأحجار الكريمة فى مصر رمزًا للجاه والجمال والحماية، لم تكن يومًا مجرد زينة، فكانت للبعض عقيدة وفنًا وتجارة عابرة للقارات، وقد وصف القرآن الكريم جمال تلك الكنوز ودقتها فى قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.. آية ربانية تختزل فى كلماتها سر ذلك الجمال المكنون فى البحار، والذى جعل منه الخالق زينة وجمالًا. فى قلب ورش الحكاكين وطبخ تجارة الأحجار الكريمة فى مصر يقف الحاج عصام رشاد، صاحب سلسلة من محلات الأحجار الكريمة بالصالحية، الذى بدأ رحلته مع المهنة وهو طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره، ليتحول مع مرور السنوات إلى واحد من أقدم العاملين فى المجال، الذى يصفه بأنه عاصمة الأحجار الكريمة فى مصر. يقول الحاج عصام إن علاقته بالمهنة بدأت داخل ورشة والده، حيث تعلم كيف يمسك الحجر الخام ويحوله إلى أى شكل يريده، موضحًا أن الحرفة تعتمد على الخبرة والعين المدربة قبل أى شىء آخر. ويضيف أن المهنة فى الماضى كانت محدودة للغاية، ولم يكن متداولًا سوى 5 أو 6 أنواع فقط من الأحجار، لكن مع الوقت والسفر إلى دول مثل الهند والصين وأمريكا، تغيرت الأمور تمامًا، وأصبح السوق المصرى يضم عشرات الأنواع والخامات المختلفة القادمة من أنحاء العالم. ويؤكد أن إفريقيا تعد من أغنى قارات العالم بالأحجار الطبيعية، حيث يتم استخراج الخامات منها ثم إعادة تشكيلها داخل الورش المصرية لإنتاج الخواتم والتماثيل والسبح والإكسسوارات. يوضح أن الحجر يخرج من باطن الأرض فى صورته الخام دون أى تعديل، ثم تبدأ رحلة التقطيع والتشكيل والتلميع داخل الورش، حتى يتحول إلى منتج نهائى قد يكون خاتمًا أو سبحة أو تمثالًا فرعونيًا أو تعليقة مدمجة بالفضة. وأشار إلى أن بعض القطع تبدأ كخامة بسيطة للغاية، لكنها بعد التشكيل تصبح قطعة فنية مرتفعة القيمة، مؤكدًا أن كل حجر له شخصيته وطريقته الخاصة فى الشغل. وأضاف: «أحيانًا الحجر نفسه هو اللى بيفرض الشكل النهائى، فى خامة تنفع سبحة، وخامة تتحول لخاتم أو تمثال، والصنايعى الشاطر هو اللى يعرف يطلع جمال الحجر». وكشف الحاج عصام عن أشهر الأحجار المطلوبة داخل السوق المصرى، موضحًا أن العقيق يعد الأكثر انتشارًا وإقبالًا، إلى جانب الياقوت والزفير والمرجان والأوبال.. وأشار إلى أن بعض الأحجار ترتبط بدول معينة، مثل الأوبال المستخرج من أستراليا وإثيوبيا، التنزانيت النادر القادم من تنزانيا، الياقوت والمرجان والعقيق اليمنى والسليمانى، بالإضافة إلى الكهرمان المستورد من روسيا، والألماس القادم من جنوب إفريقيا ويتم تصنيعه فى بلجيكا. الزمرد الأخضر يأتى من تشيلي، والفيروز السيناوى الذى وصفه بأنه من أعلى أنواع الفيروز فى العالم، وأوضح أن حجر اللابس من الأحجار التاريخية التى استخدمها الفراعنة، مؤكدًا أنه يوجد فى مكانين فقط بالعالم هما مصر وأفغانستان. وأكد الحاج عصام أن المصريين القدماء كانوا رواد استخدام الأحجار الكريمة فى الزينة وتطعيم الذهب والتماثيل والقلادات، مشيرًا إلى أن الورش الحالية ما زالت تستلهم التصميمات الفرعونية الموجودة داخل المتحف المصرى. وقال: إحنا ورثنا المهنة من أجدادنا.. بنشوف القطع الفرعونية القديمة ونرجع ندرسها وننفذ منها شغل هاى كوبى بنفس الروح والتفاصيل، وأضاف أن كثيرًا من السائحين من مختلف دول العالم يأتون خصيصًا لشراء المنتجات المصرية المستوحاة من التراث الفرعونى، خاصة التماثيل والسبح والمشغولات اليدوية. ومن بين أكثر المنتجات المنتشرة داخل ورش الصالحية تماثيل الفيل المصنوعة من الأحجار الطبيعية، والتى يوضح الحاج عصام أنها مطلوبة عالميًا بسبب شكلها المحبوب وسهولة تشكيلها بأحجام مختلفة، ما جعلها من أكثر القطع إنتاجًا داخل السوق. ورغم الإقبال الكبير على الأحجار الكريمة، يظل الجدل مستمرًا حول ما إذا كانت تمتلك طاقة إيجابية أو قدرة على الحماية من الحسد.. ويقول إن هناك من يعتقد أن بعض الأحجار مثل الكوارتز الوردى تساعد على سحب الطاقة السلبية وتحويلها إلى إيجابية، بينما يرى آخرون أنها مجرد معتقدات شعبية لا تستند إلى دليل علمى. وأضاف أن بعض الأحجار تجرى عليها أبحاث لاستخدامها فى مجالات طبية، لكن قيمتها الأساسية تظل فى جمالها الطبيعى وندرتها وطريقة تشكيلها. أما عن سر النجاح الحقيقى فى تجارة الأحجار الكريمة فيقول «ليس الربح فقط، بل الأمانة وحب المهنة، كل حجر له قصة تبدأ من باطن الأرض وتنتهى عند الإنسان.. والضمير أهم من الشغل نفسه».