الباب الخشبى
الباب الخشبى


الدار التى هناك

أخبار الأدب

الأحد، 14 يونيو 2026 - 10:39 ص

شكيب عبد الحميد

فى البدء..
الباب الخشبى، المزين بالمسامير، هو أول ما يقابلنى، أقف أمامه مشدوها وكلى فرح عارم، فرح طفولى لا حد له. فرح يغمرنى من أعماق الأعماق، من جذور القلب، يتدفق الدم إلى الوجنتين.
الباب الخشبى قبل أن يفتح لنا نحن الثلاثة، عمتى وزوجها/أمى وأبى بالتبنى، لا بد للطفل الواقف الآن أمام باب دارنا فى أسفل الربوة، ربوة الولى أبى شعيب السارية، حارس المدينة الذى جاءها على ظهر سبع طيع من مدينة مراكش كما جاء فى رواية الغربة واليتيم. فى حى الحفرة بباب النوالة بأزمور. لابد أن يجتاز مراحل:
- ليلة كل خميس ولادة فرحته، فرجة أسبوعية، حفلة سينمائية صحبة زوج عمته، الرجل القوى البنية، العسكرى، التابع للجيش الفرنسى، والذى أسلم الروح على فراشه فى حى القلعة بالجديدة، وقد أوشك على إقفال قرن من عمره.
أحلام الطفل وفرحته تتضاعف حين اقتراب ليلة الخميس، والجمعة عطلة، والسبت مساء موعد السفر إلى مدينة أزمور، مسقط الرأس والقلب والروح وكل ما هو موجب للسقوط بمختلف تلويناته. 
يوم السبت يوم دراسة بصباحه ومسائه، والسفر يكون بعد الخامسة مساء حين يخرج الطفل من المدرسة، مدرسة كليمانصو سابقا، ثم ولى العهد سيدى محمد وحاليا مدرسة محمد السادس يسابق الطفل الزمن كى لا تضيع دقيقة. يطلق العنان لساقيه قاصدا منزلهم فى حى القلعة، بدرب الوعدودى هبول. يضع محفظته فيجد الأبوين على استعداد. يحملان أمتعتهم مزودين باللحم والفواكه، لا يسافرون بأيدٍ فارغة إنها العادة. يمرقون من بين دروب القلعة الملتوية كمتاهات لا يعبرها إلا من خبرها، أما الغريب فإنه تائه لا محالة إذا لم يستعلم عن الطريق.
دقائق معدودة، تجدهم فى المحطة الكامنة وراء بناية المسرح البلدى، على اليسار مباشرة وهى عبارة عن شارع طويل تصطف فيه الحافلات، محطة فى العراء لا مكاتب ولا بنايات، وحدها شركة الساتيام تملك بناية كبيرة بها قاعة الانتظار ومكتب لحجز التذاكر وحافلتها مستقلة عن المحطة تقف خلف المسرح البلدى مقابلة للميناء.
تنتظرهم سيارة الرونو من حجم كبير تتسع لستة عشرة راكبا مع إضافة كرسيين أو ثلاثة وسط الركاب وثمن الركوب هو عشرة ريالات/ خمسون سنتيما للفرد، أما الأطفال فيوضعون على حجور أمهاتهم، وكثيرا ما تثار مشاحنات بين القابض والزبون بحجة أن الطفل تعدى السن القانونى، وعليه أن يؤدى واجب التذكرة، لكن غالبا ما يستسلم القابض أمام تعنت الأم التى تدافع عن ابنها وتصغره أكثر من اللازم، أو تتهم القابض بأنه احتقرها لأنها امرأة وتصيح فى وجهه (حقرتينى حنت أنا غير ولية)، هنا يتنحى القابض جانبا وكأنه أصيب فى مقتل، ولكى يظهر شهامته يخلى سبيلها وابنها.
كان زوج عمته يحجز ثلاث تذاكر بدرهم ونصف فيتخذ الطفل له مكانا بينهما.
لكن فرحة الطفل تصاب بشرخ وتتعطل بضع كيلومترات ما بين الجديدة وأزمور فى الذهاب والإياب.
الغابة:
ما أن تقترب الرونو من الغابة الكثيفة، والتى كان يطلق عليها غابة أزمور، حتى يقشعر بدن الطفل ويتمسك بيد والديه وعيناه على زجاج النوافذ أو على الباب، متمنيا من كل قلبه أن لا ينزل أحد الركاب، لكن سرعان ما تتبخر هذه الأمنية ويتعثر حظه إذ لا بد من التوقف قرب سجن العذير، وقوفا إجباريا، والأدهى والأمر، أن الوقوف يتكرر فى أماكن مختلفة من الغابة، فيزداد الطفل هلعا وهو ينظر إلى باب الحافلة، ولا تنفرج كربته حتى يظهر له الخلاء والسماء الرحبة إيذانا بالابتعاد عن الخطر الكامن بين أدغال الغابة.
أى خطر يا ترى؟ 
تلك هى الحكاية.
الحكاية وما فيها:
- كل ليلة قبل أن ينام الطفل كانت عمته تحكى له حكايات عديدة. حكت له عن هاينة والغول، حكايات الأنبياء، عن موسى والنمرود، وموسى وفرعون وشقه البحر بالعصا، عن عنترة بن شداد وحبه لعبلة، عن السيد علقمة الذى رفضت القبيلة أن تزوجه إحدى بناتها لأنه كبر فى السن، وكلما ذهبت أمه لخطبة فتاة تقابل بالسخرية، فأقسم علقمة أن يأتى بها علجة من الروم، صهباء بيضاء فاقع حسنها تغيظ الناظرات من بنات القبيلة، والحكاية طويلة. 
بالموازاة كانت تحفظه سور القرآن القصيرة قبل أن يلج المسيد. وهى المرأة الأمية. ومن بين الحكايات التى ترددت على مسامع الطفل هى حكاية الأسد فى الغابة، وافتراسه لكل مَن وجده فى طريقه. فما أن تقترب الحافلة من غابة أزمور إلا ويرقب الطفل خروج الأسد فالغابة الوحيدة فى العالم وفى مخيلة الطفل ها هو بالقرب منها وحتما فالأسد الوحيد الذى حكت عنه عمته سيخرج لا محالة. وحتى لو افترضنا أن هناك غابات أخرى فى العالم فلا شك ولا ريب هناك أسد. وغابة أزمور ليست استثناء وإلا فحكاية العمة هراء وبهتان وزور.
بعد اجتياز الغابة تعود الفرحة أدراجها وللسفر صفاؤه، والقلب يهفو للقاء.
نقطع مسافة، من موقف الحافلات المتاخم لباب سيد المخفى، نعرج على السقاية أو طريق مولاى بوشعيب تاركين حديقة مولاى إسماعين على يسارنا، نمر على سينما منار التى تحولت إلى قيسارية فى بداية السبعينات، ولم نكن ندرك آنذاك أن مصير السينمات فى المغرب هو مسخهم إلى قيساريات وعمارات ومراكز تجارية. ثم بعدها فران الوعدودى وجامع سى خديم، وحمام الجردينى والضريح القابع على قارعة الطريق سيدى على وعلامو. 
كنا نفضل الصعود عبر عقبة مولاى بوشعيب، وقبل الوصول إلى ضريح الولى نعرج يسارا فنهبط مرورا بالطاحونة ودرب لالة رقية الجيلالية وفران المعيزى، وحانوت الحلاق الملقب با المحبة والذى كان لا يسمح بالحلاقة لمن به جنابة، ولا لشارب الخمر، فكان معرض سخرية من شباب أهل الحى. ثم جامع الحفرة، ودرب زناتة، وحانوت قنداد، ودرب الطيبى حيث دار جدى السى عبد الكبير، ودار بن عبو، ودار با الزين. وأخيرا نصل إلى الدار. 
وجها لوجه أمام بابها الخشبى العتيق. تدق عمتى أو زوجها بواسطة الدقاقة النحاسية دقات على الباب، ودقات قلب الطفل تزداد طربا بفرحة اللقاء.
مساء الأحد:
تشد الرحال لطريق العودة من محطة أزمور، بالقرب من الكوميسارية وسور باب سيد المخفى. كآبة تجثم على نفس الطفل. تنطفئ الفرحة فى عينيه. مستسلما للهموم الثلاثة:
- هم انتهاء فرحة اللقاء
- هم الرجوع إلى الدراسة يوم الاثنين.
- وهم الأسد الذى ينتظره فى الغابة.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة