كاهن معبد الرواية

يوسف القعيد

الإثنين، 15 يونيو 2026 - 08:04 م

يوسف القعيد

عرض عليه يوسف السباعى أن يعمل فى الصحافة، لكنه تردد لعدم خبرته، لأنه كان قد قرأ لكاتب أوروبى أن الصحافة مقبرة الأدباء .  من يذكر من أسماء الأجيال الجديدة من الأدباء والكتاب والفنانين الروائى عبد الوهاب الأسوانى «1934 - 3 يناير2019»، ومع ذلك نوشك أن يقال عنا أننا نسيناه، وعن نفسى فرحت عندما قامت مجلة فنون التى تصدر عن هيئة الكتاب، ويرأس مجلس إدارتها الدكتور خالد أبو الليل، ويرأس تحريرها طارق رضوان، ويساعده عدد كبير من الصحفيين والصحفيات الشبان. وفى عدد أكتوبر 2025 الذى يحمل رقم 83 من المجلة، خصصت ملفاً لعبد الوهاب الأسوانى. يمكن أن يكون جزءاً من تراثنا الثقافى الذى يجب أن نحرص عليه، فليس الحاضر هو ما نلهث وراءه، ولكن الماضى مهم بالنسبة لنا. المجلة خصصت ملفاً عن عبد الوهاب الأسواني، وقد سعدت بهذا الملف كثيراً لأننا سرعان ما ننسى من يرحلون عن عالمنا، وكأننا لم نكن نرحب بوجودهم، ونتجاهل ما قدموه للأدب والفن فى بلادنا. عبد الوهاب الأسوانى ابن جنوب مصر، الذى يضرب فى عُمق التاريخ، تلك الأماكن التى حيرت الدنيا بأسرارها وحكاياتها. وفى جزيرة غرب النيل أسوان تواجه كوم امبو التى تقع بالشرق، حيث يقف معبد التمساح شامخاً يزهو بأعمدته وأبهائه، حطت إحدى قبائل الأنصار العربية رحالها فى هذه الجزيرة لتحيا، وقد جاء للحياة فى هذه البيئة حيث ولِد عبد الوهاب محمد حسن، والذى عرفناه بعبد الوهاب الأسواني. الفتى الأسمر إن جذوره تمتد فى هذه الأرض التى امتص منها خلاصة أعاجيب الأسرار الإنسانية، ومن قبيلة فى أسوان، ونشأ فى جنوبها، وشاهد العالم الذى هناك خلال الحرب العالمية الثانية، وانطلق منها لنضالات الشعب المصرى مع بقية شعوب العالم فى سعيها نحو التحرر الوطنى من مظالم الإقطاع وتحكم الثروات وأحلام العدالة، وإنصاف المظلومين. وهكذا يتابع الأسوانى فى طفولته وصباه أحداث مصر العظيمة التى مرت عليه وعلى أبناء جيله. إنه روائى من أبناء جيل الستينيات الذى غيَّر الدنيا فى الكتابة الأدبية، وانطلق بها لآفاق لم يكن يحلم بها أحد، ورغم وجوده فى أقصى جنوب مصر، إلا أنه عندما اشترك فى المسابقات الأدبية التى تُعلن عنها القاهرة حصلت روايته الأولى: سالمة الأسوانية، والتى كتبها بقريته الجنوبية على ضوء لمبة جاز، بالمركز الأول فى مسابقة القصة القصيرة، وأشاد بها يحيى حقى، ويوسف السباعى، ورجاء النقاش، وفاروق عبد القادر، وبعد نشرها قرأها نجيب محفوظ وأبدى إعجابه بها، وتحمست لها الدكتورة سهير القلماوى تلميذة طه حسين، ورئيسة الهيئة العامة للكتاب وقتها، وأصدرت قرارها بطبع الرواية دون التقيد بخطة النشر فى تلك السنة. القاهرة تُرحِّب به حين شاع اسم الرواية واسم كاتبها فى الصحف والمجلات وبين المنتديات، عرض عليه يوسف السباعى أن يعمل فى الصحافة، لكنه تردد لعدم خبرته، لأنه كان قد قرأ لكاتب أوروبى أن الصحافة مقبرة الأدباء، حيث تستولى على الأديب وتستنزف جهده، فلا يبقى منه شىء للأدب والإبداع. ومع ذلك فقد اضطر للموافقة عندما لم يجد عملاً آخر يمكن أن يعمل به. وعندما بدأ فى نشر قصصه فى القاهرة، بدأت تُلفت الأنظار إليه وتدفع الجميع لقراءة إنتاجه الأدبي. حيث بدأ اسمه يتجاوز الوسط الأدبى والثقافى إلى الوسط الفنى. وذلك عندما قرأ محسن زايد الكاتب والسيناريست المتفرد روايته: سالمة الأسوانية، فوقع فى أسرها، وعرضها على المخرج الكبير صلاح أبو سيف، فتم الاتفاق وانعقدت النية على تحويلها لفيلم سينمائي. وفى سبيل التخطيط والإعداد لهذا الفيلم صحب الأسوانى صديقه الجديد محسن زايد، ومعهما المخرج صلاح أبو سيف، فى زيارة لقريته بأسوان، حيث قضوا فيها أياماً للتعرف على هذا العالم ورؤية الحياة فيه عن قُرب. التصالح مع الأدب هنا تشجَّع الشاب، وخفت معارضة أبيه ورجال عائلته ورفضهم لهذا النشاط الجديد الذى لم يألفوه من قبل. ولا يعرفون له نفعاً ولا مردوداً. حين رأوا أن هناك مجانين آخرين يقدرون ما يصنعه ابنهم ويُنفق فيه وقته وجهده، ويمنحونه بسبب هذا العمل الاحترام والتقدير والمال المتمثل فى قيمة الجوائز ومكافآت النشر التى كانت كبيرة بمقاييس وقتها. ومما أدهشهم فى جنوب البلاد أن هذا العمل الذى كان يرونه تافهاً بلا قيمة، جعل اسم قريتهم يُذكر فى الصحف والإذاعة ويردده كبار المتحدثين وذوو الأهمية. وحين توالت الأعمال وزادت معارف الأسوانى فى عالم الكتابة، حدث أن عرض عليه الكاتب الكبير المرحوم رجاء النقاش العمل معه كصحفى فى مجلة الإذاعة والتليفزيون التى كان يرأس تحريرها. فالتقط العرض وتعلَّق به كما يلتقط الغريق قشة، وجاء إلى القاهرة صحفياً له راتب، يكفل له العيش بالقرب من الأوساط التى يحبها ويرى أنه خُلِق لها موفور الكرامة، متجنباً للمتاعب والمصاعب التى يتعرض لها من يفدون إلى هذه المدينة لكى يحققوا أحلامهم. إنه العالم الساحر وعندما رسخت أقدام عبد الوهاب الأسوانى بالقاهرة، ورسخ اسمه فى عالم الكتابة، كان الأديب خيرى شلبى قد حوَّل روايته الأولى إلى عمل إذاعى لفت الأنظار له وحصد النجاح أيضاً. وفى ظل سعى البلد وولاة الأمور فيها إلى النهضة والتحضُر وتحقيق النجاحات على كافة الأصعدة، ظهر التليفزيون المصرى كنافذة ووسيط يرسخ الوجود الثقافى المصرى فى كل العالم، ويطل خلاله الفن والأدب المصرى بوصفه مقوماً أساسياً من مقومات القوة والوجود، إلى جانب الصحافة والإذاعة التى كانت تقود المنطقة وتشكل وعيها وتوجهها. وفى هذا الوقت أنشأ اتحاد الإذاعة والتليفزيون شركة صوت القاهرة، ذلك النبع الذى أغرق الحياة بالفنون والأصوات من المقرئين والمطربين والملحنين والأعمال الفنية، وهنا وقع اختيار المخرج الكبير نور الدمرداش رئيس شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات على رواية: اللسان المُر. وكانت الرواية الثانية لعبد الوهاب الأسواني، التى تزامن صدورها مع افتتاح الشركة، وتفكير القائمين عليها فى إنتاج الأعمال الدرامية. العمل الأول كان رأى الدمرداش وتصميمه على أن يقوم الأسوانى ذاته بكتابة السيناريو والحوار، وتحويل روايته إلى مسلسل تليفزيوني، ولم يجد الأسوانى غضاضة بأن يقوم بهذا العمل، لاسيما وأن أستاذه نجيب محفوظ قد سبقه فى اقتحام مجال كتابة الأفلام بلا غضاضة ولا توجس. وقد قام بالعمل ففتح لنفسه فتحاً جديداً فى سبيل التحقيق ووصول الأعمال واستقرار الحياة على كافة أصعدتها. فى هذه الفترة كان رجاء النقاش يعد العُدة لرحلة طويلة فى البلاد العربية الخليجية، التى كانت تصنع أسس نهضتها أيضاً، اقتداءً بالشقيقة الكُبرى مصر. ومستعينة بالخبراء والمؤسسين من أبناء مصر فى كل مجال. كان هدف رحلة النقاش إنشاء عدد من الصحف والمجلات بهذه البلاد، ووضْع الأسس وقواعد العمل بهدف تطوير وامتلاك مقومات النجاح. وهو الصحفى الذى سبقت شهرته وقدرته على إنجاح أى إصدار يتولى رئاسة تحريره، وكانت تقف وراء نجاح رجاء النقاش مؤسسة عظيمة هى دار الهلال التى تخصصت بإخراج المجلات الثقافية والفنية والأدبية والاجتماعية. وهكذا سافر عبد الوهاب الأسوانى إلى الأشقاء العرب، وحين مس وطن العروبة والواجب خيال الأشقاء فى البلاد الشقيقة، الذى يجب أن يضطلع به كل مخلص للقضية العربية، فإن عبد الوهاب الأسوانى قام بدوره كاملاً وغير منقوص .