د. حسام عبدالغفار يكتب.. عندما يحدد الذكاء الاصطناعي نظامك الغذائيّ.. مَن يقرأ جسدك؟

د. حسام عبدالغفار

الثلاثاء، 16 يونيو 2026 - 12:07 م

بوابة أخبار اليوم

في زمان صار الجواب  فيه أسرع من السؤال، فقط يكفي أن تكتب على هاتفك سطرًا واحدًا حتى يعود إليك في ثوانٍ بجدولٍ غذائيٍّ كاملٍ، محسوبِ السعرات، مرتَبِ الوجبات، في عبارات أنيقة، وكأنّ جيبك يسكنه أخصائيَ تغذيةٍ، لا ينام ولا يَملّ ولا يطلب أجرًا.. لكنّ السؤال الذي يغيب وسط هذا البريق: هل يعرف هذا «الخبير الرقميّ» شيئًا عن جسدك أنت؟ الحقيقة أنّ الذكاء الاصطناعيّ يُجيد العموميّات، ويتعثر في الخصوصيّات؛ فهو يعرف القاعدة، ولا يعرف صاحبها.. لا يسألك عن كليتك المتعبة، ولا عن دوائك اليوميّ، ولا عن الحزن الذي يدفعك إلى الطعام أو يصرفك عنه. يقرأ ما تكتبه، ولا يقرأ ما تكتمه وجهك.. والطبّ في جوهره، ليس معادلةً من سعراتٍ وأرقام، بل فهمٌ لإنسانٍ يحمل تاريخًا ومرضًا وعادةً وخوفًا. لقد رأينا كيف يضع الروبوت حميةً صارمةً لمن طلب نتيجةً سريعة، فيدفعه إلى التهلكة باسم الرشاقة؛ وكيف يوصي بالبروتين لمن تحظره عليه كليتاه؛ وكيف يخترع أحيانًا معلومةً تبدو متماسكةً وهي محض وهم. ليست هذه أخطاءً عابرة، بل تذكيرٌ بأنّ الأداة تظلّ أداة، مهما لمعت. العلاقة بين المريض وطبيبه ليست تبادلًا للمعلومة، بل أمانةٌ تُحمَل ومسؤوليّةٌ أخلاقيّة. في عيادةٍ صغيرة، تلتقي عينٌ بعينٍ، وتُقرأ لغة الجسد، ويُستنتج ما وراء الكلام. هذا الحضور الإنسانيّ هو ما لا تملكه الخوارزميّة، ولا تُحسن تقليده. فلنستعمل الذكاء الاصطناعيّ كما نستعمل المصباح: يُنير الطريق، لا يسير عنّا. اسأله ليشرح لك ملصقًا غذائيًّا، أو يقترح بديلًا صحيًّا، أو يفتح أمامك بابًا للسؤال، لكن لا تجعله ينطق الكلمة الأخيرة في أمرٍ يخصّ جسدك؛ فالمعلومة قد تأتي من آلة، أمّا الشفاء فيمرّ دائمًا عبر إنسان.