«دار الحديث التكريتية».. حكاية مسجد بالإسكندرية
"دار الحديث التكريتية".. حكاية مسجد
الثلاثاء، 16 يونيو 2026 - 04:41 م
عفاف المعداوي
وسط الأزقة الضيقة والبيوت القديمة في حي الجمرك العتيق بالإسكندرية، يختبئ مسجد أبو علي كواحد من أقدم الشواهد الإسلامية الباقية في المدينة، بعدما تحوّل منذ أكثر من سبعة قرون إلى مدرسة دينية كبرى متخصصة في علوم الحديث الشريف، عُرفت تاريخيًا باسم "دار الحديث التكريتية".
اقرأ أيضا | محافظ أسيوط يتفقد وحدة طب الأسرة بموشا ويُحيل موظفًا للتحقيق
فالمسجد الذي أُسس عام 677 هجرية، الموافق 1278 ميلادية تقريبًا، لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل مثّل في عصره مركزًا علميًا متكاملًا يقصده طلاب الفقه والحديث وعلوم القرآن من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، في وقت كانت فيه الإسكندرية واحدة من أهم الحواضر الإسلامية المطلة على البحر المتوسط.
يقول الدكتور محمود سيد أحمد أستاذ التاريخ الإسلامي إن قصة إنشاء المسجد تعود إلى الشيخ عبد اللطيف بن رشيد التكريتي، الذي قدم من مدينة تكريت العراقية إلى الإسكندرية واستقر بها، وكان من كبار المهتمين بنشر علوم الحديث والمذهب الشافعي، فأنشأ المسجد ليكون دارًا للعلم والعبادة معًا.
ويضيف مع مرور السنوات، اكتسب المكان شهرة واسعة تحت اسم "دار الحديث التكريتية"، نسبة إلى مؤسسه، خاصة بعدما أصبح مقصدًا للعلماء والطلاب الوافدين من بلاد الشام والعراق والمغرب العربي، الذين كانوا يترددون على الإسكندرية باعتبارها مركزًا تجاريًا وعلميًا بارزًا.
بينما يقول الدكتور هشام محمد حسن أستاذ التاريخ الإسلامي، إن مسجد أبو علي أو ما عُرف تاريخيًا باسم “دار الحديث التكريتية” يمثل نموذجًا مهمًا للدور الحضاري الذي لعبته الإسكندرية خلال العصرين الأيوبي والمملوكي، حيث لم تكن المدينة مجرد ميناء تجاري كبير، بل كانت أيضًا من أبرز مراكز العلم الشرعي في العالم الإسلامي.
وأضاف أن إنشاء دار متخصصة في تدريس الحديث الشريف والفقه داخل الإسكندرية منذ أكثر من 700 عام يعكس المكانة العلمية التي تمتعت بها المدينة آنذاك، كما يؤكد أهمية نظام الوقف الإسلامي الذي أسهم في تمويل المؤسسات التعليمية وضمان استمراريتها لعقود طويلة، وهو ما ساعد على تخريج أجيال من العلماء وطلاب العلم.
وأوضح "هشام" أن المدارس الملحقة بالمساجد كانت تقوم بوظيفة الجامعات الحديثة، إذ جمعت بين التعليم والإقامة والرعاية الاجتماعية، وكانت تستقطب الطلاب من مختلف الأقاليم الإسلامية، وهو ما جعل الإسكندرية حلقة وصل علمية وثقافية بين المشرق والمغرب.
وأشار إلى أن بقاء المسجد حتى اليوم يعد شاهدًا حيًا على تاريخ طويل من الحركة العلمية والدينية في الثغر، ويؤكد أهمية الحفاظ على هذه المعالم الأثرية باعتبارها جزءًا من الذاكرة الحضارية لمصر وتراثها الإسلامي العريق الممتد عبر القرون، لافتًا إلى أن الاهتمام بترميمها والتعريف بتاريخها يسهم في تعزيز الوعي بقيمة التراث ودوره في تشكيل الهوية الثقافية للأجيال الحالية والقادمة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدرسة لعبت دورًا مهمًا في نشر المذهب الشافعي داخل المدينة، رغم غلبة المذهب المالكي بين أهالي الإسكندرية آنذاك، ما منحها مكانة خاصة بين المدارس الدينية خلال العصر المملوكي.
واعتمدت "دار الحديث التكريتية" على نظام الوقف الإسلامي، الذي مثّل في ذلك الوقت العمود الفقري للحياة التعليمية والدينية في مصر الإسلامية، إذ خُصصت أوقاف للإنفاق على المسجد ورواتب الشيوخ والمدرسين، إلى جانب توفير احتياجات الطلاب المقيمين داخله، بما ضمن استمرار العملية التعليمية دون تحميل الطلاب أي أعباء مالية.
ورغم مرور مئات السنين، لا يزال المسجد يحتفظ بجزء من ملامحه المعمارية القديمة، خاصة في بيت الصلاة والأقبية الداخلية التي تعكس الطراز المملوكي البسيط المرتبط بالمدارس الدينية.
ويضم المسجد محرابًا أثريًا وعددًا من النقوش الحجرية واللوحات التأسيسية التي تؤرخ لفترات إنشائه وتجديده، فيما أُعيد بناء المئذنة الحالية بعد سقوط المئذنة القديمة بفعل الزمن والرطوبة.
كما شهد المسجد أعمال تطوير وصيانة بإشراف وزارة الأوقاف وبالتنسيق مع الجهات الأثرية، للحفاظ على قيمته التاريخية باعتباره أحد المساجد الأثرية المسجلة في الإسكندرية.
ورغم تغيّر ملامح المنطقة المحيطة به عبر العقود، لا يزال المسجد حاضرًا في ذاكرة أهالي الإسكندرية باعتباره رمزًا لعصر كانت فيه حلقات الحديث والفقه تُعقد يوميًا داخل أروقته، بينما بقي اسم "دار الحديث التكريتية" شاهدًا على واحدة من أقدم مدارس العلم الإسلامي في الثغر.