الجوع إلى الطمأنينة

شحاتة زكريا

الثلاثاء، 16 يونيو 2026 - 07:38 م

الأخبار

شحاتة زكريا رغم كل ما حققته البشرية من تقدم ورغم ما نعيشه من تطور تكنولوجى غير مسبوق يبدو أن هناك شيئاً ما ينقص الإنسان المعاصر، فبينما ازدادت وسائل الراحة وتوسعت فرص التواصل وتسارعت وتيرة الحياة تراجع شعور كثير من الناس بالأمان النفسى والسكينة الداخلية.. لقد أصبح الإنسان اليوم يطارد أشياء كثيرة المال، والنجاح، والمكانة الاجتماعية، والشهرة أحياناً لكنه فى نهاية المطاف يكتشف أن ما كان يبحث عنه طوال الوقت لم يكن سوى الطمأنينة. فالطمأنينة ليست رفاهية وليست حالة مؤقتة ترتبط بظروف معينة بل هى حاجة إنسانية عميقة لا تقل أهمية عن حاجتنا إلى الطعام والشراب. لقد فرضت الحياة الحديثة على الإنسان ضغوطاً متزايدة، فالأخبار المتلاحقة، والأزمات الاقتصادية، والمنافسة المستمرة، وسرعة التغيرات، كلها عوامل جعلت الكثيرين يعيشون حالة من التوتر المستمر. والمفارقة أن الإنسان كلما ركض خلف الأشياء ظناً منه أنها ستمنحه الراحة اكتشف أن الراحة الحقيقية لا تشترى ولا تقاس بحجم ما نملك بل بقدرتنا على الشعور بالرضا والتوازن.. فالطمأنينة تبدأ حين يتصالح الإنسان مع نفسه ويعرف قيمة ما لديه قبل أن ينشغل بما ينقصه، تبدأ عندما يدرك أن الحياة لن تخلو من المشكلات وأن السعادة الكاملة ليست شرطاً للحياة الكريمة.. كما أن الأسرة تظل أحد أهم مصادر الطمأنينة فى حياة الإنسان، فالكلمة الطيبة، والدعم الصادق، والشعور بالاحتواء، كلها أمور تمنح النفس قوة لا توفرها الأموال ولا المناصب، ولهذا فإن المجتمعات التى تحافظ على تماسكها الإنسانى تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مهما كانت قسوتها.. وفى خضم هذا العالم المزدحم ربما نحتاج إلى التوقف قليلاً ومراجعة أولوياتنا، نحتاج إلى أن نمنح أنفسنا فرصة للهدوء وأن نعيد اكتشاف الأشياء البسيطة التى تمنح الحياة معناها الحقيقى.. إن الجوع إلى الطمأنينة أصبح واحداً من أبرز ملامح عصرنا، لكنه جوع لا يشبع بالمزيد من الممتلكات بل بالمزيد من الرضا، واليقين.. وفى النهاية يبقى أغنى الناس ليس مَن يملك أكثر بل مَن يشعر أن ما لديه يكفيه وأن قلبه ما زال قادراً على أن ينام مطمئناً ويستيقظ شاكراً.