اغتراب الفطرة فى عصر الميديا
الثلاثاء، 16 يونيو 2026 - 07:44 م
الأخبار
كانت العفوية هى الميزة الأجمل للكائن البشرى؛ تلك الضحكة المنفلتة دون ترتيب، والبكاء الصادق فى لحظة ضعف، وملامح الوجه المتعبة قبل أن يمسها صخب العالم. كانت هذه التفاصيل هى جوهر الحقيقة الإنسانية. أما اليوم، فقد أعلنت منصات التواصل الاجتماعى حرباً صامتة على كل ما هو عَفوى، واستبدلته بنظرة بصرية صارمة، حوّلت حياتنا اليومية من عيش اللحظة إلى توثيق اللحظة.
فلم يعد مسموحاً فى عالم الشاشات الزرقاء بالخطأ أو العيب البشرى. لقد تحولت الفلاتر الرقمية من أدوات لتحسين الصور إلى قوالب نفسية وسلوكية تعيد صياغة وعينا؛ فصرنا نختار أماكن سفرنا، ونوع طعامنا، وحتى طريقة تعبيرنا عن حزننا، بناءً على ما يبدو جذاباً خلف الزجاج المصقول. لقد قيدنا تلقائيتنا للحصول على جرعة مؤقتة من الإعجاب الافتراضى، وتحولنا إلى مخرجين وممثلين نتقن اختيار الإضاءة والابتسامات لإبهار المتفرجين، بينما نسينّا فى غمرة الإنتاج كيف نعيش تفاصيل القصة نفسها.
ومن منظور متخصص لا أرى فى هذا الهوس مجرد أزمة نفسية، بل هو عدوان صريح على حرمة الحياة الخاصة بمفهومها الفلسفى والتشريعى. إن القوانين والدساتير ما وُضعت لحماية جدران البيوت فحسب، بل وُضعت لحماية حق الإنسان فى الخصوصية؛ أى حقه فى أن يختلى بذاته، بأخطائه، وبعيوبه بعيداً عن أعين الرقابة.
ما يحدث اليوم فهو تنازل طوعى عن هذه الحرمة على مذبح الخوارزميات. لقد حوّلنا مساحاتنا الحميمة التى صانها القانون إلى مشاع عام، وباتت تفاصيلنا الحيوية وقوداً لشركات التكنولوجيا الإعلانية.
إن استباحة الخصوصية باسم المشاركة الرقمية هو إلغاء لأهم حصن قانونى وأخلاقى يحمى كرامة الفرد.
المفارقة المؤلمة هنا هى ولادة عزلة الروح من رحم وهم التواصل؛ فكلما زادت أعداد المتابعين، زاد الاغتراب الداخلى، لأننا ببساطة نُطعم خوارزميات جافة بمشاعر مصطنعة. وهنا تبرز القيمة الحقيقية للأدب والفكر وسلطة الوعى كطوق نجاة؛.
هذا المقال ليس دعوة لمخاصمة التكنولوجيا أو العودة إلى العصر الحجرى، بل هو صرخة أدبية وقانونية لاسترداد ذواتنا من فخ المشهدية.