«الهجرى».. المهجور!
الأربعاء، 17 يونيو 2026 - 06:58 م
علاء عبدالوهاب
بالطبع أقصد التقويم الهجرى، ومن ثم أسماء الشهور الهجرية التى لا يتذكر الكثير من الأحفاد، بل والأبناء، منها إلا رمضان، وذو الحجة، فهذا نصوم فيه، وذاك نحج خلاله.
أرى خطورة المسألة نابعة من تفشى ظاهرة غياب الوعى بأهمية معرفة الأجيال المتعاقبة، على مر العقود الأخيرة بالتقويم الهجرى وشهوره، من منظور طمس الهوية الإسلامية، تمامًا كما يحدث معها كل محاولة لإضعاف الصلة بأسس الهوية وجذورها، بداية من القرآن الكريم، مرورًا باللغة العربية حرفًا ولسانًا، وليس انتهاء بإضعاف الروابط مع الحضارة الإسلامية وتاريخها.
أتذكر أن التاريخ الهجرى إلى جانب التاريخ الميلادى، كان يزين السبورة فى المدرسة، منذ التحاقى بالمرحلة الابتدائية، وحتى حصولى على الثانوية العامة، وكان الحرص شديدًا على كتابة التاريخين متجاورين، ومن ثم كانت الذاكرة البصرية تستحضر بشكل متواصل أسماء الشهور العربية تبعًا للتقويم الهجرى.
الآن يباهى التلميذ بأنه ينتمى لمدرسة يتعلم فيها بإحدى اللغات الأجنبية، وأن حصة اللغة العربية، والمادة التى يدرسها بها هى الأكثر «ثقلًا على قلبه»، وانتشرت الكتابة الهجينة التى تمتزج فيها الكلمة العربية بالحرف والرقم الأفرنجي، فى هذا السياق يعمق غياب التقويم الهجرى عن الحياة اليومية والدراسية من حالة الاغتراب الحضارى.
مما يهدد الهوية، والأمر لو تدرون خطير، فبدون مبالغة، وفى ظل حروب الجيلين الرابع والخامس، فإن ذاكرة الأمة وتاريخها اللذين يسكنان عمق مفهوم الهوية، فى مدى أسلحة الحروب الحديثة، التى تستهدف العقول والأرواح دون إطلاق رصاصة أو دانة أو صاروخ، وإنما سلاحها الكلمة مكان أخرى، والحرف بدلًا من آخر، وبمعنى أدق فإنها تصوب على الجهاز المناعى النفسى والمعنوى للإنسان، وبالتالى هويته وذاكرته الحضارية.
من ثم، فإن التحذير من تغيب المعرفة بالشهور الهجرية، واستخفاف البعض بالتقويم الهجرى، لا ينطلق دون دواعٍ تعزز خطورة السكوت على ما يحدث، فى ظل تراجع متواصل للتقويم الهجرى، لاسيما إذا كان للمسألة وجه يتعلق بمكانته الشرعية، لنتذكر قوله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم»، وكذلك قوله عز وجل: «يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج».
فى ضوء ذلك، فإن استعادة التقويم الهجرى لمكانته يبدأ من معرفة النشء بأسماء الشهور العربية، وفى أى عام هجرى يحيون، حتى يعوا العلاقة بين هذا التقويم والعبادات والمناسبات المرتبطة به، بل والانتصارات العظيمة التى ارتفعت فيها راية الإسلام، وكانت مؤرخة بالتقويم الهجرى، ولعل آخرها ٦ أكتوبر /العاشر من رمضان وأحسب أن هذا الربط كان عبقريًا، وربما كانت تلك نقطة البدء التى ننطلق من عندها، ليستعيد التقويم الهجرى مكانته، والنأى عن هجره.