نهاية الرحلة.. كيف تحول ترام الرمل من وسيلة نقل إلى أيقونة للإسكندرية؟

ترام الرمل

الخميس، 18 يونيو 2026 - 03:11 م

د. أمنية حسني كُريم

لم يكن ترام الرمل في الإسكندرية مجرد وسيلة نقل تجمع الغرباء، بل كان عالمًا مصغرًا تدور فيه حكايات المدينة اليومية، يتهادى ببطء على قضبانه بجسمه المعدني والمتكدس بالركاب، لينسج هوية خاصة امتدت لعقود طويلة. ورغم مغادرة هذا "العجوز الأزرق" موضعه التاريخي، لكنه يرفض مغادرة قلوب السكندريين وذاكرتهم الحية، فهذا الخط التاريخي الممتد في قلب الإسكندرية، شهد عبور آلاف الحكايات اليومية، وتراكمت على أرصفته ونوافذه تحولات الزمن التي طرأت على المدينة وسكانها حتى صار جزءًا من هُويتها.   - معرض حكاوي تروماي الرمل   وبين جدران "المتحف القومي بالإسكندرية"، انطلق معرض "حكاوى تروماي الرمل" تحت شعار  "كل تذكرة .. كانت حكاية "، ليقدم توثيقًا إنسانيًا لوداع أقدم ترام في أفريقيا، من خلال فناني نادي "عدسة" للتصوير، ليتلاقى هناك عشاق المدينة في مشهد أشبه بتأبين دافئ للترام، الذين ارتبطوا به عاطفيًا فقد كان رفيقهم الذين شهد تفاصيل حياتهم وكان سندهم  في أزماتهم الاقتصادية بسعره البسيط.   اقرأ ايضا| جرته الخيول وعمل بالبخار.. «ترام الرمل» يصل محطته الأخيرة   ورغم كل وعود التطوير ببديل نقل أسرع وأحدث، يبقى للترام القديم سحر لا تعوضه التكنولوجيا؛ فهنا نسجت الإسكندرية جزءًا من روحها التي لا تموت   - شريان شهد مرور آلاف الحكايات   وقال علاء الباشا مؤسس نادي للعدسة للتصوير: "يحمل معرض "تروماي الرمل.. ذاكرة المدينة" دلالة تتجاوز المعنى الحرفي لاسمه، فهو ليس عن المكان بقدر ما هو عن الطريق، عن خط الرمل في الإسكندرية، ذلك الشريان الذي شهد مرور آلاف الحكايات، وتراكمت عليه آثار البشر وتجاربهم. ويضيف: "هذا المعرض هو محاولة لالتقاط تلك اللحظات غير المرئية؛ التي لا تُقال، لكنها تترك أثرها في الأماكن قبل الأشخاص. هنا، يتحول المسار إلى ذاكرة، والمدينة إلى نص مفتوح، تُقرأ فيه قصص الفقد، التحوّل، والنجاة. ويوضح خلال حديثه لـ"بوابة أخبار اليوم" أن المعرض الذي يمتد حتى اليوم الخميس 18 يونيو الجاري شارك فيه 25 فناناً وفنانة من أعضاء نادي عدسة، يمثلون تخصصات مختلفة في عالم التصوير الفوتوغرافي ومن خلال أعمالهم الفنية نستكشف كيف يمكن لمكانٍ عابر أن يحمل هذا الثقل الإنساني، وكيف تصبح الحركة اليومية فوقه امتدادًا لحكايات أعمق مما يبدو   - توثيق حكايات هذا الترام التاريخي    ويلفت "الباشا" إلى أن هذا النتاج الإبداعي للمعرض جاء بعد رحلة إعداد وتخطيط طويلة قادها نادي عدسة، حيث بدأت الفكرة برغبة حقيقية في توثيق حكايات هذا الترام التاريخي. ولذا نظم النادي سلسلة من ورش العمل المكثفة والمتخصصة، والتي انطلق من خلالها المصورون لتوثيق الأيام الأخيرة للترام بشكلها القديم، راصدين اللحظات الأخيرة للخطوط والمحطات قبل التحديث. وتنوعت رؤى المشاركين فهناك من قدم لوحة مستقلة وهناك من قدم مشروعًا فنيًا متكاملًا يتكون من 12 عملاً منسقاً، يتتبع جغرافيا الذاكرة السكندرية عبر محطات الترام لرصدوا  ذاكرة لاتمحى بدوره يفسر د. إسلام عاصم، نقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية، وأستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر حالة الشجن المرتبطة بفقدان ترام الإسكندرية  قائلا:" تلك الحالة العاطفية الحزينة للارتباط بالماضي ليست غريبة على أهل مصر والإسكندرية خاصة  فهم اليوم لا يفتقدون مجرد وسيلة مواصلات، بل يبكون على ما ألفوه وعاشوا فيه لسنوات طويلة. فللمدينة ذاكرة جماعية فريدة، ترتبط بكل سكندري بشكل مختلف، محملة بحكايات ومواقف العمر اليومية.   - شريان حيوي يربط الطلاب بمدارسهم وجامعاتهم   وتابع: "مثل الترام شريانًا حيويًا يربط الطلاب بمدارسهم وجامعاتهم، والموظفين بأعمالهم... فلم يكن مجرد نقل أساسي، بل كان وسيلة ترفيه مبهجة؛  فمثلا كان "الترام ذو الطابقين" (يُمثل نزهة سياحية بحد ذاته، تمنح ركابها فرصة تأمل المدينة". ويلفت عاصم إلى حالة الارتباط بالماضي ليست منحصرة في مشروع  تطوير ترام الإسكندرية فمثلا عند بناء  تلك  البنايات الجميلة في شارع صلاح سالم  بالمنشية والتي نعتبرها اليوم تراثًا معماريًا مميزًا عارضها البعض حينها وقالوا فقدنا  بعض معالم التاريخ اليوناني الروماني وهكذا نجد ارتباطًا شديدًا بالماضي". أما عن تاريخ الترام الذي يعد من أقدم  خطوط ترام في العالم  نفسه فيقول د.عاصم بدأت قصة حكاية "الخط الأزرق" من قلب المدينة "محطة الرمل" متجها نحو شرق الإسكندرية عبر مهندس بريطاني ذكي يُدعى السير إدوارد سان جون فيرمان" نجح في الحصول على امتياز لإنشاء خط حديدي ينطلق من محطة الرمل وينتهي عند منطقة "شُدس عام 1860  حيث استشرف مستقبل المدينة المميز  وسارع لاستغلاله.   - مراحل تطور الترام   وعام 1863 تم افتتاح أولى محطات "ترام الرمل"، وكان الترام عبارة عن عربة قطار واحدة تجرها أربعة خيول تسير على سكك حديدية  ثم حلّت القاطرة البخارية  محل الخيول. وقد مثل الترام في تلك الفترة نقلة مهمة خاصة أن الإسكندرية قد بدأت بالفعل في التمدد نحو الشرق  خاصة مع اتجاه الأثرياء لبناء القصور والفلل في ذلك الاتجاه وتطورت أهميته بعد تعاقده مع مصلحة البريد لنقل الخطابات والرسائل من قلب المدينة إلى شرقها. وشهد الترام نقطة تحول أخرى عام 1903 عندما اسُتخدمت الكهرباء رسميًا لتشغيل الترام عبر الأسلاك الهوائية، لتصل عدد محطاته في تلك الحقبة إلى 13 محطة أساسية. ويبدو أن الترام كان ملتصقًا بماضيه إلى حد كبير فاحتفظت محطات ترام الرمل بأسماء الشخصيات الأجنبية الذين كانوا أعضاء أول مجلس إدارة له مثل "بولكلي"، "فلمنج"، و"صفر حتى مع انتقال الملكية والإدارة إلى مصر. وهكذا ظل تطور الترام مستمرًا حتى استخدمته أجيال متعاقبة من أهل المدينة حتى صار جزءًا منهم إلى  أن جاء قرار استبداله وحانت لحظة توديعه إجباريًا.