«المدينة الملعونة».. تل العمارنة شاهدة على أعظم أسرار الفراعنة

تل العمارنة

الخميس، 18 يونيو 2026 - 03:31 م

شيرين الكردي

لم تكن مدينة تل العمارنة، التي أسسها إخناتون مجرد انتقال جغرافي لعاصمة الدولة، بل كانت مشروعًا فكريًا ودينيًا متكاملًا سعى إلى إعادة صياغة العقيدة والفن والنظام السياسي في آن واحد. سرعة انهيار هذا المشروع وعودة العاصمة إلى طيبة، أثارت الجدل حول أسباب فشل التجربة الآتونية، وكيف تحوّلت المدينة من مركز للثورة الدينية إلى فضاء مهجور ارتبط لاحقًا في الوعي الشعبي والأثري بفكرة اللعنة والقطع مع الماضي. وتأتي أهمية إعادة قراءة تل العمارنة اليوم بوصفها نموذجًا لصراع طويل بين التغيير الجذري ومقاومة البنى التقليدية في التاريخ المصري القديم.   - قصة تل العمارنة التي اختارها الملك إخناتون عاصمة لملكه   وفي محاولة لإحياء واحدة من أكثر المدن المصرية القديمة غموضًا، أطلقت اللجنة العليا للآثاريين بالنقابة المهنية للسياحيين فيلمًا وثائقيًا جديدًا بعنوان «المدينة المهجورة»، يكشف قصة تل العمارنة التي اختارها الملك إخناتون عاصمة لملكه، قبل أن تتحول إلى مدينة صامتة هجرها الجميع، وظلت شاهدة على أسرار العقيدة الآتونية والفن المصري الفريد. أصدرت اللجنة العليا للآثاريين بالنقابة المهنية للسياحيين فيلمًا وثائقيًا جديدًا بعنوان «المدينة المهجورة»، في إطار جهودها للتعريف بالتراث المصري والترويج للمواقع الأثرية المهمة، حيث يستعرض الفيلم تاريخ مدينة تل العمارنة بمحافظة المنيا، التي ارتبط اسمها بالملك إخناتون وثورته الدينية الشهيرة.   - رصد المقابر الصخرية   وأوضح حمدي عز، رئيس النقابة المهنية للسياحيين، أن الفيلم أُنتج بالتعاون مع حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، واعتمد على مادة علمية أعدها الدكتور عبد الرحيم ريحان، فيما تولت شيماء فاروق الأداء الصوتي، ونفذ المونتاج عمر إمام، ويستعرض الفيلم تفاصيل المدينة التي تقع على بعد نحو 10 كيلومترات من مدينة ملوي بمحافظة المنيا، والتي كانت منطقة مهجورة قبل أن يختارها الملك إخناتون لتصبح عاصمة جديدة لمصر القديمة. وأشار فارس حسني، الأمين العام للنقابة، إلى أن مدينة العمارنة لم تعمر سوى نحو 17 عامًا، حيث عاش فيها بعد إخناتون كل من الملك سمنخ كارع والملك توت عنخ آتون، قبل أن يعود الأخير إلى طيبة ويغير اسمه إلى توت عنخ آمون، لتتحول المدينة بعد ذلك إلى مكان مهجور، ولم تشهد استيطانًا لاحقًا بسبب ارتباطها بالمعبود آتون، الذي تعرض لمحاولات محو من قبل كهنة آمون، حتى ارتبطت المدينة في المعتقدات القديمة بفكرة اللعنة والهجر.   اقرأ ايضا| الأعلى للآثار: تل العمارنة بداية مصر لتسجيل مواقع جديدة على قائمة التراث العالمي   وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس اللجنة العليا للآثاريين بالنقابة، أن الفيلم يرصد المقابر الصخرية التي تضمها المدينة، والتي يبلغ عددها 26 مقبرة، من بينها مقبرة العائلة الملكية التي صُممت على غرار مقابر وادي الملوك، وتضم ممرًا منحدرًا وثلاثة ممرات فرعية، ولم يُدفن بها سوى الأميرة ماكت آتون ابنة الملك إخناتون، التي توفيت خلال فترة حكم والدها.   - ملامح جديدة للحياة الملكية   أما المقابر الأخرى، فقد خُصصت لكبار رجال الدولة والنبلاء، وتوزعت بين ست مقابر في المنطقة الشمالية و19 مقبرة في الجنوب، وتزين جدرانها مناظر للملك إخناتون والملكة نفرتيتي أثناء تقديم القرابين للمعبود آتون، بالإضافة إلى مشاهد الحياة اليومية والعائلية التي عكست ثورة فنية غير مسبوقة في تاريخ الفن المصري القديم. وتكشف النقوش الموجودة داخل تلك المقابر عن ملامح جديدة للحياة الملكية، إذ ظهر إخناتون وهو يقبّل زوجته نفرتيتي في أحد المناظر، كما صورت الملكة وهي ترضع إحدى بناتها، وهي مشاهد نادرة لم تكن مألوفة في الفن الرسمي للمقابر الملكية المصرية، ما يعكس حالة التحرر الفني التي سادت خلال العصر العمارني. كما يسلط الفيلم الضوء على المعبد الآتوني الكبير، الذي شيده إخناتون لعبادة آتون، وكان أكبر معابد المدينة، حيث بلغ طوله نحو كيلومتر واحد، وعرضه 250 مترًا، وتميز بتصميم مختلف عن معابد الدولة الحديثة، إذ بُني دون سقف للسماح لأشعة الشمس بالوصول إلى جميع أجزائه، في محاكاة لمعابد الشمس التي عُرفت خلال الأسرة الخامسة.   - القيمة التاريخية والأثرية لتل العمارنة   وشُيدت معظم أجزاء المعبد بالطوب اللبن، باستثناء الأعمدة والبوابات، بينما أحاط به سور ضخم بطول 800 متر وعرض 300 متر، يتوسطه مدخل رئيسي على هيئة صرح ضخم بين برجين مرتفعين، ليظل شاهدًا على واحدة من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ الحضارة المصرية. ويأتي الفيلم الوثائقي «المدينة المهجورة» ضمن جهود النقابة المهنية للسياحيين وحملة الدفاع عن الحضارة المصرية لإبراز القيمة التاريخية والأثرية لتل العمارنة، وإعادة تسليط الضوء على هذا الموقع الفريد الذي يحتفظ بأسرار عصر إخناتون وثورته الدينية والفنية، ويعد من أهم المواقع الأثرية المفتوحة التي توثق مرحلة استثنائية من تاريخ مصر القديمة.