«حياة كريمة٢».. بناء الإنسان

حمدى كامل

الخميس، 18 يونيو 2026 - 07:15 م

حمدي كامل

حياة كريمة ليست مشروعًا  لبناء الإنسان بل هى تجسيد لحق كل مواطن فى التنمية والعيش الكريم أينما كان. حين أطلقت الدولة المصرية المبادرة الرئاسية حياة كريمة قبل سنوات، اعتبرها البعض مجرد برنامج حكومى واسع النطاق لتحسين الخدمات فى القرى الأكثر احتياجًا.. لكن ما جرى على الأرض أثبت أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.. فالمبادرة تحولت إلى مشروع استراتيجى لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن، وإلى أحد أهم أعمدة بناء الجمهورية الجديدة التى تقوم على العدالة المكانية والتنمية المتوازنة وتكافؤ الفرص. الإعلان عن الاستعدادات النهائية لإطلاق المرحلة الثانية من المبادرة، التى تستهدف تنفيذ نحو 21 ألف مشروع داخل 1667 قرية فى 20 محافظة، لا يمثل مجرد إضافة رقمية إلى ما تحقق من إنجازات، وإنما يعكس إصرار الدولة على استكمال مسار تنموى غير مسبوق فى تاريخ الريف المصرى. لعقود طويلة ظل الريف المصرى يعانى فجوة تنموية واضحة مقارنة بالمناطق الحضرية. ورغم الجهود الحكومية المتعاقبة، فإن الزيادة السكانية المتسارعة وتراكم المشكلات الخدمية كانا يفرضان واقعًا صعبًا على ملايين المواطنين.. وجاءت «حياة كريمة» لتكسر هذه القاعدة، من خلال رؤية شاملة لا تقتصر على إنشاء طريق أو مدرسة أو محطة مياه، وإنما تستهدف بناء مجتمع متكامل تتوافر فيه مقومات الحياة الحديثة. المرحلة الأولى من المبادرة قدمت نموذجا عمليا لما يمكن أن تحققه الإرادة السياسية عندما تتوافر الرؤية والتمويل وآليات التنفيذ والمتابعة.. فقد شهدت القرى المستهدفة طفرة فى شبكات المياه والصرف الصحى والطرق والكهرباء والغاز الطبيعى والاتصالات، إلى جانب تطوير المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب ومجمعات الخدمات الحكومية. والأهم من ذلك أن المواطن شعر لأول مرة بأن التنمية تصل إلى قريته بنفس المستوى الذى تصل به إلى المدن الكبرى. ما يميز المرحلة الثانية هو أنها تنطلق من قاعدة صلبة من الخبرات والدروس المستفادة. فالحكومة أصبحت تمتلك رؤية أكثر دقة لأولويات التنفيذ، كما أن التنسيق بين مختلف الجهات المعنية أصبح أكثر كفاءة. ولذلك فإن توجيهات الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء بسرعة استكمال الاستعدادات الفنية واللوجستية تعكس إدراكًا لأهمية عامل الوقت فى الحفاظ على الزخم الذى حققته المبادرة خلال السنوات الماضية. وفى تقديرى، فإن أحد أهم الجوانب الاستراتيجية فى المرحلة الجديدة يتمثل فى التركيز على تعظيم الاعتماد على المنتج المحلى وتوطين الصناعات المرتبطة بالمشروعات التنموية. فالتنمية لم تعد مجرد إنفاق حكومى على البنية الأساسية، وإنما أصبحت أداة لتحريك الاقتصاد الوطنى، وخلق فرص عمل، وتشجيع الصناعة المصرية، وتعزيز سلاسل الإنتاج المحلية. كما أن المبادرة تحمل بعدا اجتماعيا بالغ الأهمية، إذ تسهم فى الحد من الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعى، ورفع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وهو ما ينعكس مباشرة على مؤشرات التنمية البشرية. إن حياة كريمة ليست مشروع طرق أو مبانٍ أو مرافق فقط، بل مشروع بناء إنسان. وهى فى الوقت نفسه رسالة واضحة بأن الدولة المصرية لا تنظر إلى التنمية باعتبارها امتيازا جغرافيا، وإنما حق أصيل لكل مواطن أينما كان. ومع اقتراب انطلاق المرحلة الثانية، تبدو الفرصة مواتية لاستكمال واحدة من أكبر التجارب التنموية فى تاريخ مصر الحديث، تجربة تؤكد أن الجمهورية الجديدة لا تُبنى فى العاصمة وحدها، بل تبدأ من القرية، ومن المواطن البسيط الذى يستحق حياة كريمة بالفعل، لا شعارًا يرفع، بل واقع يعيشه كل يوم.