يوسف القعيد يكتب: من تراث أحمد لطفى السيد

يوسف القعيد

الخميس، 18 يونيو 2026 - 07:24 م

يوسف القعيد

أول درس يجب أن يُلقى على الطفلة المصرية مع الألف باء هو كونها مخلوقًا حرًا، وهبها الله حريتها، وما وهبه الله للإنسان لا يسترده إلا الله هذا كتاب مهم فيه جزء كبير من تراث أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد، فيه مقالاته وخطبه وأحاديثه، أعده وحرره إسماعيل جلال مظهر، وقدمه لنا المؤرخ الجميل د. أحمد زكريا الشِلِّق، حيث قرأه مخطوطًا قبل النشر، وقدَّمه للقُراء بطريقة جميلة. وأحمد لطفى السيد «1872 - 1963» من قادة الفكر السياسى والاجتماعى فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكان حزبيًا نشطًا عندما أسس حزب الأمة وشارك فى تأسيس حزب الأحرار الدستوريين، كما كان إداريًا حازمًا عندما تولى رئاسة دار الكُتُب المصرية فى فترة الحرب العالمية الأولى، وعندما عُيِّن أول رئيس للجامعة المصرية سنة 1925، وعندما شغل عدة مناصب وزارية فى نهاية العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضى، وكذلك عندما تولى رئاسة مجمع اللغة العربية منذ عام 1945 حتى وفاته. وفوق هذا كان محاضرًا فى الجامعة ومترجمًا متفردًا، كما كان مدافعًا عنيدًا عن حرية الفكر وعقلانيته، ومن دعاة المذهب التحررى الليبرالى، وكان مؤمنًا بالقومية المصرية ومن دُعاة الجامعة المصرية فى مقابل دُعاة الجامعة الإسلامية، وقد حظيت المسألة الدستورية والحكم النيابى بالكثير من كتاباته، ترك تراثًا هائلاً من الفكر الإصلاحى بالمجال السياسى والاجتماعى سبق به عصره. وهذا التراث جدير بإعادة نشره وقراءاته لما ينطوى عليه من فكرٍ أصيل وشعور وطنى نبيل، ومن كل هذا التراث العظيم استحق عن جدارة لقب أستاذ الجيل الذى كانوا ينادونه به فى حياته. والرجل كان مشغولاً بقضايا التربية، فهو يكتُب أننا كنا ننفر جدًا من فكرة تعليم البنات. وكان بعضنا يرى أن ذلك من العار أن يعلم الأب عن ابنته أنها تكتُب، لما كان بين كتابة السيدة وقراءتها روايات الغرام نوع من التلازم الخيالى فى نفوس العوام. لذلك كان بعض الآباء فى ذلك الزمان البعيد يمنعون تعليم بناتهم. إلى أن تحررت المرأة وأصبح الكل يتحدث عن تعليمها باعتبارها نصف المجتمع. وهذا تطور مهم. إن أساتذة الجيل السابق علينا تبدو أفكارهم مهمة لنا. رغم أننا جئنا بعدهم بسنواتٍ كثيرة جدًا، وهو يكتُب عن إصلاح نظامنا الاجتماعى ويبدأ بتربية المرأة، ويرى أن ذلك بداية لإصلاح العائلة. فتربية المرأة هى كل ما يجب أن نصرف إليه جميع قوانا الموجهة لإصلاح جمعياتنا المصرية، كما قال بذلك الرجل الكبير قاسم أمين. ويكتُب إن أول درس يجب أن يُلقى على الطفلة المصرية مع الألف باء هو كونها مخلوقًا حرة، وهبها الله حريتها، وما وهبه الله للإنسان لا يسترده إلا الله. ثم يتدرج تعليمها من ذلك إلى كل ما يحيط بها من الأعمال. فالأغراض الإنسانية والمعاملات العائلية والاجتماعية لها الأولوية، ويجب أن يُلفت نظرها أولاً إلى عيوب العبودية وقيمة الحرية التى يجب أن تكون قاعدة التعليم. وليس لنا أن نقلق على حرية المرأة أبدًا. هذا ما تمت كتابته فى زمنٍ بعيدٍ جدًا، وكان مهم أن يوجد من يكتبه، وأن يكون له أهمية أحمد لطفى السيد. فى هذا الكتاب المهم يكتُب المؤلف عن شوقى بك. ذلك الشاعر المطبوع القديم والسياسى الجديد. أراد بحريته صرف الأمة المصرية عن طلب حقوقها من الجناب العالى، فوضع نفسه بهذه التصريحات فى مركزٍ كان السكوت خيرًا منه. إننا أمام كتابٍ كتبه مُفكِر من الجيل الذى أسس لنا حياتنا التى نعيشها، ويجب أن نقرأه بعناية ومحبة وأن نتعلم منه الكثير رغم بُعد المسافة بيننا وبين الزمان الذى كتب فيه ما كتبه.