الشيخ الشعراوى
خواطر الشعراوى| «ومن الناس من يعجبك قوله..»
الخميس، 18 يونيو 2026 - 07:26 م
يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحياة الدنيا﴾ وهذه الآية نزلت فى الأخنس ابن شريق الثقفى واسمه أبيّ ولقب بالأخنس لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعى أنه يحبه، ولكنه بعد أن خرج من عند رسول الله مر بزرع وحُمُر لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر. والآية وإن نزلت فى الأخنس فهى تشمل كل مُنافق.
﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ لا تقولوا: «الله يشهد»، وإنما هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم؛ لأن معنى «الله يشهد» هو إخبار منك بأن الله يشهد لك. وأنت كاذب فى هذه، وتريد أن تضفى المصداقية على كذبك بإقحام الله فى المسألة.
وساعة تسمع واحدًا يقول لك: أُشْهِدُ الله على أنى كذَا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب فى هذا الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله فى هذه الشهادة. ﴿وَيُشْهِدُ الله على مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام﴾ وألد الخصام هو الفاسق فى معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أى فسق فى خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول : «إن أبغض الرجال إلى الله هو الألد الخصم» .
يعنى المجادل بالباطل الذى عنده قسوة فى المعصية، فهو عاصٍ وفى الوقت نفسه قاس فى معصيته. ولماذا هو ألد الخصام؟ لأن الذى يجابهك بالأمر يجعلك تحتاط له، أما الذى يقابلك بنفاق فهو الذى يريد أن يخدعك، وهذا عنف فى الخصومة فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما فى باطنه، لكن إذا جابهت الذى يبطن خصومته ويظهر محبته يكون قاسيًا عليك فى خصومته؛ لأنه يريد أن يخدعك ويُبَيّتُ لك. ﴿وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ و﴿تولى﴾: انصرف أى يقول لك ما يعجبك، فإذا تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة بإظهار ما كان يخفيه، ويحتمل المعنى أنه إذا تولى شيئًا آخر، من الولاية، ففيه ﴿تولى﴾ من التولى وهو الانصراف والإعراض، وفيه ﴿تولى﴾ من الولاية. ﴿وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل﴾ كانت الأرض بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر.
ونعرف أن الفساد لم يطرأ على أى أمر إلا وللإنسان فيه دخل.
لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، وبمقدار تدخل الإنسان يكون الفساد. لقد تدخلنا قليلًا فى المياه فجاء فى ذلك فساد، فلم نحسن نقلها فى مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص. وبقدر ما يكون التدخل يكون الإفساد، أما فى الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى مصدر الماء المباشر فى الآبار ويأخذ الماء الطبيعى الذى خلقه الله بلا تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره.
إذن على مقدار وجود الإنسان فى حركة الحياة غير المُرشّدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد له من منهج سماوى للإنسان. والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهى مخلوقة بالغريزة وتؤدى مهمتها فقط؛ فالدابة لم تمتنع يومًا عن ركوبك عليها، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك، أو تستعين بها فى الحرث، أو الري، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك، لماذا؟ لأنها مخلوقة بالغريزة التى تؤدى بها الحركة النافعة بدون اختيار منها. وإذا امتنعت فى وقت فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلا.
لكن الذى له اختيار لابد أن يكون له منهج يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن استقام مع المنهج فى «افعل» و«لا تفعل» سارت حياته بشكل متوازن، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾، كأن الإفساد هو الذى يحتاج إلى عمل، اترك الطبيعة والمخلوقات كما هى تجدها تعمل فى انضباط وكمال على ما يرام.
إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذى يحيا بلا منهج لأنه ﴿وَإِذَا تولى سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا﴾ فكأن الأصل فى الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح، فإن لم تزد الصالح صلاحًا فلا تحاول أن تفسده. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ «البقرة: ١١ - ١٢».
ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم لإصلاحها، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة؛ لأنهم لا يتحركون بمنهج الله.
إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا ﴿تولى﴾ بمعنى رجع أو تولى ولاية سعى فى الأرض ليفسد فيها؛ فكأن الفساد فى الأرض أمر طارئ وينتج من سعى الإنسان على غير منهج من الله. وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه فهو مفسد لا محالة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
العلماء: مدرسة لبناء الإنسان وترسيخ الأخذ بالأسباب
العلاقات غير المشروعة تشيع الفاحشة العلماء: تؤدى إلى تفكك الأسر وضياع الأنساب
تواضع على الشنوانى شيخ الأزهر فى «وثيقة إجازة» بخط يده
تقـاليـع زمـن التـرنـد| العلماء: ليس كل مشهور قدوة.. والوعى ضرورة لحماية الشباب
سماعات الغش.. محرمة شرعًا وبيعها إعانة على الإثم
جدل كلاب الشوارع| كريمة: مقاصد الشرع تجمع بين دفع الضرر والرفق بالمخلوقات
خواطر الشعراوى| نعمة علم الله للغيب
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع







