«الهجرة».. خريطة طريق

النائب عادل زيدان

الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:21 م

أخبار اليوم

مع كل سنة هجرية جديدة تُهل علينا، نتأمل فى قصص «الهجرة»، وكيف كانت البداية من الصفر هى مَن صنعت أعظم وأهم تاريخ للبشرية، فالهجرة لم تكن يومًا انتقالًا من مكان إلى آخر هربًا من واقع صعب ومؤلم، بل علمتنا الكتب السماوية أن الهجرة هى اللحظة الفاصلة التى تتجلى فيها عبقرية الإرادة الإنسانية. إذا تأملنا الهجرة بمنظور تنموى سنجد أن الانتقال هو أعظم مدرسة لاكتشاف الطاقات الكامنة، واستثمار العزيمة البشرية، فندرك أن «العمران الحقيقى» لا يرتبط بوفرة الإمكانات فى البداية بقدر ما يرتبط بالقدرة على مواجهة الصعاب، وهو الدرس الذى نحتاجه اليوم لتحويل التحديات إلى نقطة انطلاق كبرى. تُرِكت السيدة هاجر عليها السلام فى وادٍ «غير ذى زرع»، وكانت كل المعطيات المحيطة بها تشير إلى انعدام الحياة؛ لا ماء، لا بشر، لا ظل، لكن اليقين بالله والروح الوثابة تجسدا فى سعيها الحثيث بين الصفا والمروة؛ سبعة أشواط من الأمل والعمل.  هذا السعى كان رسالة سماوية أن الإنسان هو صاحب السعى وبناء وعمران المكان، وعندما تفجر ماء زمزم، كان مكافأة للسعى ليتحول هذا المورد المائى إلى «نقطة جذب» تجمعت حوله القبائل، وتتحول الصحراء القاحلة إلى مركز عمرانى وتاريخى عالمى. وحين ننتقل إلى الهجرة النبوية، فإننا نقف أمام نموذج متكامل للبدء من جديد، حيث تلاقت قوة العزيمة مع التخطيط والاستعانة بأهل الخبرة، لم تكن الهجرة تحركًا عشوائيًا، بل سبقتها خطة محكمة امتدت لشهور، تم فيها تأمين طرق بديلة، والاستعانة بخبرات عبد الله بن أريقط، مما يؤكد أن الإيمان والعزيمة لا يكتملان إلا بالأخذ بالأسباب والاستعانة بأصحاب الكفاءة، والخبرة. ومن هنا رأينا تكاملًا للطاقات البشرية و«اتحادًا» لإنتاج مجتمع جديد؛ فعندما التقى المهاجرون بأفكارهم وتجاربهم وثقافتهم الواسعة مع الأنصار بطبيعتهم المعطاءة وأرضهم المعمورة، كان اللقاء تلاحمًا وبناءً إنسانيًا ذكيًا، حيث تم دمج الخبرات مع العمل والأرض الخصبة، لإنشاء بيئة جديدة تمامًا. وكانت أول خطوة اقتصادية التى قام بها النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) فى المدينة المنورة، هو تأسيس «سوق مستقل» أوجد بيئة عمل، مما فجّر طاقات الشباب وأتاح الفرصة لكل صاحب فكرة أو مهارة أن يساهم فى بناء المجتمع. إن دروس الهجرة تمنحنا اليوم خارطة طريق إنسانية وتنموية للتعامل مع واقعنا المعاصر؛ فالبدايات الجديدة، وإن كانت محفوفة بالصعاب والمخاطر، هى الاختبار الحقيقى لمعادن الرجال وصناع المستقبل، فالصعوبات لا تكسر الإنسان الطموح بل تصقله، فالتعمير الحقيقى وبناء المشاريع لا يبدأ بوضع حجر الأساس للمبانى، بل ببناء الإنسان وتأهيله نفسيًا وعمليًا، وزرع الأمل فى قلبه ليصبح قادرًا على الإنتاج والإبداع.