«Fan Zone» العاصمة الجديدة

أحمد باشا

الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:46 م

أخبار اليوم

ليست كل الانتصارات تُسجل بالأهداف، ولا كل البطولات تُحسم داخل المستطيل الأخضر. فهناك مباريات أخرى تدور خارج الملاعب، تخوضها الدول الذكية بعقول مخططيها، وتنتصر فيها حين تنجح فى تحويل حدث عابر إلى قيمة باقية، أو مباراة لكرة القدم إلى جسر يربط المواطن بوطنه. ولهذا أضع قبلة على جبين صاحب فكرة إقامة أكبر منطقة مشجعين بالعاصمة الجديدة تزامنا مع بطولة كأس العالم للأندية. فالرجل لم ينقل مباراة إلى شاشة عملاقة، بل نقل فكرة إلى الوعى العام، وقدم درسا بليغا فى كيفية تسويق المشروعات القومية دون ضجيج، وكيفية تعريف الناس بإنجازات دولتهم دون خطب أو شعارات. صحيح أن البطولة تُقام على أرض الولايات المتحدة الأمريكية، لكن شركة المتحدة للخدمات الإعلامية بالتعاون مع شركة العاصمة الجديدة نجحتا فى نقل الحدث إلى أرض مصر، وتحديدا إلى قلب النهر الأخضر، حيث تحولت العاصمة الجديدة إلى مسرح مفتوح للفرح، وميدان واسع يلتقى فيه المواطن مع جغرافيا ربما كان يسمع عنها أكثر مما يعرفها. العبقرية هنا لم تكن فى الشاشات العملاقة أو الفعاليات المصاحبة، بل فى الفكرة نفسها. فبدلًا من أن تطلب من المواطن أن يذهب ليرى العاصمة الإدارية، منحته سببا حقيقيا للذهاب إليها. تركت الكرة تقوم بالمهمة، وتركت البهجة تقود الطريق. ذهب الناس عبر شبكة الطرق الحديثة، واختار آخرون المونوريل، وتجولوا فى النهر الأخضر، وشاهدوا بأعينهم ما كانت تنقله الكاميرات والصور. وهنا تحقق الهدف الأهم؛ تطبيع العلاقة بين المواطن والمكان. فالجغرافيا لا تصبح جزءا من الوجدان بالخرائط، وإنما بالتجربة الإنسانية المباشرة. لقد أصاب صاحب الفكرة عشرة عصافير بحجر واحد ذكي. روّج للعاصمة الجديدة، وعرّف الناس بمرافقها، وشجع استخدام وسائل النقل الحديثة، وخلق حالة من الحراك الاقتصادي، وقدم نموذجا حضاريا للتجمعات الجماهيرية، وربط حدثا عالميا بمشروع وطني، والأهم من ذلك كله أنه منح المواطن حقه الطبيعى فى الاستمتاع بما أُنجز على أرض بلاده. هكذا تُسوّق الأفكار الكبرى. ليس عبر الإعلانات التقليدية أو الخطابات المباشرة، وإنما من خلال دمجها فى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن. فحين يذهب الإنسان ليشجع منتخبه الوطنى ثم يعود وهو يحمل صورة جديدة عن مدينته ووطنه، تكون الرسالة قد وصلت بأقوى مما يمكن أن تحققه آلاف الكلمات. الدول الحديثة لم تعد تكتفى ببناء المدن، بل تبنى أيضا العلاقة النفسية بين الإنسان والمكان. فالإنجاز الذى لا يراه المواطن ولا يتفاعل معه يبقى مجرد أرقام فى التقارير. أما حين يتحول إلى مساحة للفرح واللقاء والحياة، فإنه يصبح جزءا من ذاكرة الناس. ومن هنا تبدو منطقة المشجعين فى العاصمة الجديدة أكثر من مجرد فعالية رياضية. إنها نموذج متطور لفلسفة جديدة فى إدارة المجال العام، فلسفة تدرك أن صناعة البهجة ليست ترفا، بل إحدى وظائف الدولة الحديثة، وأن الترفيه الراقى ورفع الذائقة العامة وإتاحة الفرصة للمواطن للاستمتاع بمنجزات وطنه هى جزء أصيل من بناء الانتماء. فى زمن تتسابق فيه الشائعات والصور المغلوطة لتشويه الحقائق، جاءت هذه التجربة لتقول للمواطن ببساطة تعالى وشاهد بنفسك. وهذه، فى تقديري، كانت أجمل أهداف البطولة حتى قبل أن تبدأ المباريات.