الشباب .. صُنّاع المستقبل

المستشار طاهر الخولى

الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:49 م

أخبار اليوم

حين يرى المصريون نموذجاً شاباً يحقق نجاحاً استثنائياً فى أى محفل، كظهور اللاعب الناشئ حمزة عبد الكريم ومشاركته فى كأس العالم رغم صغر سنه، متسلحاً بموهبته وتفوقه العلمى والرياضي، هنا تتأكد أن جيل مصر الفتى قادر على القيادة والتميز فى كل مكان، هذا الارتياح العفوى تترجمه لغة الأرقام بوضوح؛ إذ تشير الإحصاءات إلى أن 21% من المصريين يقعون فى الفئة العمرية بين 14 و29 عاماً، بينما تصل النسبة الإجمالية للشباب حتى سن الأربعين إلى نحو 65% من التعداد السكاني، نحن هنا لسنا أمام مجرد رقم إحصائي، بل أمام «كتلة حرجة» من الطاقة الحيوية، ومحرك رئيسى لقطار التنمية؛ كتلة إذا أُحسن استثمارها وتوظيفها، قادت البلاد إلى آفاق اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، وإذا تُركت دون استراتيجية استشرافية واضحة، نكون قد أهدرنا الثروة الأثمن فى تاريخنا. وإذا كانت مصر قد قطعت شوطاً ملموسا فى إرساء قواعد التمكين، ونقل الشباب إلى منصات المشاركة والتأهيل والمواقع التنفيذية، فإن التحدى الراهن يتجاوز فكرة «الإتاحة الإدارية» ليتركز حول صياغة فلسفة جديدة لـ «الشراكة الفكرية». فالجيل الحالى يمتاز بأنه جيل رقمى بامتياز، تخلّص فطرياً من قيود الأنماط الوظيفية التقليدية، ولديه حلول مبتكرة لأعقد الأزمات، سواء فى الإدارة ، أو الترويج السياحى والاستثماري، أو إيجاد بدائل تكنولوجية محلية توفر العملة الصعبة. إنهم لا يفكرون «داخل الصندوق» لأنهم ببساطة نشأوا فى عالم مفتوح بلا حدود. الرهان على عقلية الشباب ليس طرحاً طارئاً، بل هو امتداد لجذور فكرية وطنية رصينة؛ فمنذ فجر النهضة الحديثة، أدرك رواد التنوير كرفاعة الطهطاوى والإمام محمد عبده أن تجديد دماء الأمة يمر حتماً عبر العقول الشابة المتمردة على الأنماط القديمة، وهو ما أثبتته تاريخياً تجربة الزعيم الشاب مصطفى كامل فى مطلع القرن العشرين، هذا الإرث يؤكد أن الشاب المصرى يمتلك جينات ابتكارية تمكنه دائماً من صناعة القيمة المضافة وتأسيس قطاعات جديدة كلياً فى التكنولوجيا والفكر والاستثمار غير النمطي، وتمنحه قدرة على التكيف مع التحولات العالمية، حيث تتشكل أفكاره عبر منصات تفاعلية تتجاوز الدورة المستندية العقيمة، لتقدم حلولاً أسرع بكثير من آليات الإدارة التقليدية. لذلك، فإن الاهتمام بالشباب فى كافة المجالات ليس منّة ولا تفضلاً، بل هو ضرورة حتمية للأمن القومى والتنمية المستدامة، مصر لا تحتاج إلى خطابات رنانة تُشيد بالشباب، بل تحتاج إلى ترسيم «عقد تنموى جديد» يثق فى عقولهم ويمنحهم المساحة والموارد، إن الاستماع للشباب لا يعنى منحهم منصة للكلام ثم التصفيق لهم، بل يعنى «المأسسة والتنفيذ»؛ فالأفكار التى قد توصف أحياناً من قِبل العقلية البيروقراطية الرتيبة بأنها «شطحات شبابية»، هى فى الحقيقة الحلول الحيوية الوحيدة القادرة على إنقاذ ملفات الاقتصاد والتعليم والتنمية الذكية.