حين يباع الأمل فى السوق السوداء!
الجمعة، 19 يونيو 2026 - 08:56 م
أخبار اليوم
قِيل قديمًا إنّ قيمةَ الإنسانِ تُقاسُ بموقفه من الضعيف لا من القويّ؛ فالحضاراتُ لا تُبنى على ما تُشيّدُه من قصور، بل على ما تصونُه من كرامةٍ لأكثرِ أبنائها هشاشة. وما من ضعفٍ أعمقُ من ضعفِ مَن اعتلّ عقلُه أو هزمَه الإدمان، حتى فقدَ القدرةَ على الدفاع عن نفسه.
فى زاويةٍ مُعتمةٍ من مدينةٍ مُضاءة، يُساقُ إنسانٌ مكسورٌ إلى مكانٍ بلا اسمٍ ولا ترخيص، تُغلَقُ خلفه الأبواب، ويُقالُ لأهله إنّ الشفاء وراء هذا الجدار. لكنّ ما وراءه ليس طبًّا، بل تجارةٌ فى الألم، وسوقٌ سوداء تنبضُ على أنقاضِ يأسِ الأسر وخجلِها.
تكشفُ الأرقامُ ما لا يُقالُ همسا: من بين كلّ عشرِ منشآتٍ جرى المرورُ عليها فى مجال علاج الإدمان، تسعٌ تعملُ خارجَ القانون. غرفٌ مكتظّةٌ بالأسرّة، بلا طبيبٍ متخصّص، بلا نظافةٍ ولا رحمة. هناك يُحتجزُ المريضُ بوصفه عبئًا يُخفى، لا إنسانًا يداوى.
ولكن، لماذا تزدهرُ هذه السوق؟ لأنّ الوصمةَ لا تزال أثقلَ من المرض. نخجلُ أن نقولَ إنّ ابننا مريضٌ نفسيًّا، فنبحثُ عن بابٍ خفيٍّ يبتلعُ السرَّ والمريض معًا. ولأنّنا، حين يعجزُ فهمُنا، نَنسبُ العلّةَ إلى سحرٍ أو مسٍّ أو لعنة، فنقصدُ بالمريض مَن يَعِد بطردِ الأرواح بدل مداواةِ النفس، فنُسلّمُه إلى مَن يُتاجرُ بالغيب.
إنّ المريضَ النفسيَ ليس أقلَّ كرامةً من غيره، بل أحوجَ إلى الحماية. وهنا يصيرُ صمتُنا شريكًا، وتغاضينا تواطؤًا.
والدواءُ معروف: قانونٌ رادعٌ يحاسبُ مَن يؤجّرُ جدرانَه الألم، ورقابةٌ لا تنام، ووعيٌ يردُّ المريض إلى العلم لا إلى الخرافة. لكنّ الدواءَ الأعمقَ فى ضمائرنا: أن نرى فيه أخًا لا عارًا، وأن نمدَّ له يدًا لا قيدًا.
فالصحّةُ النفسيّةُ نبضٌ فى قلب الوطن؛ ومتى خفتَ فى إنسانٍ واحد، اعتلَّ منّا جميعًا شيء.