زوجة الأب
زوجة الأب


من المؤبد إلى البراءة.. زوجة الأب تروي لـ«أخبار الحوادث» رحلة 18 شهرًا خلف القضبان

أخبار الحوادث

السبت، 20 يونيو 2026 - 03:30 ص

ماجدة شلبي

عام ونصف العام، 18 شهرًا بالتمام والكمال قضتها دعاء خلف القضبان، تنتظر كلمة الفصل في قضية قلبت حياتها رأسًا على عقب، زوجة أب وُجهت إليها اتهامات بقتل ابنة زوجها، وصدر بحقها حكم بالسجن المؤبد في أول درجة، ثم أيدته محكمة الاستئناف، قبل أن تحمل جلسات النقض مفاجأة مدوية انتهت ببراءتها، في هذا الحوار، تروي المتهمة السابقة والبريئة حاليًا بحكم صادر من قمّة الهرم القضائى ورأسَ السلطة القضائية محكمة النقض تفاصيل أيامها داخل السجن، وكيف عاشت بين الخوف والأمل، وما الذي دار في خاطرها وهي تنتظر حكمًا قد يسلبها حريتها للأبد، قبل أن تعود إلى الحياة من جديد بعد صدور حكم البراءة.

في القرى الصغيرة لا تحتاج الحكايات إلى وقت طويل حتى تنتشر.

كلمة تخرج من بيت فتصل إلى الشارع ثم إلى المقاهي وصفحات مواقع التواصل لتتحول خلال ساعات إلى حقيقة يرددها الجميع حتى قبل أن يقول القضاء كلمته.

هكذا بدأت قصة (دعاء. م) السيدة التي استيقظت ذات صباح على حياة عادية زوجة وأمّاً تحاول ترتيب يومها بين أطفالها ومسئوليات بيتها ثم انتهى بها الحال داخل قفص الاتهام تواجه حكمًا بالمؤبد بعدما اتهمها الجميع بأنها السبب في رحيل ابنة زوجها الصغيرة.

سنوات كاملة قضتها المرأة بين الجدران الباردة تحمل فوق كتفيها اتهامًا قاسيًا بينما كانت تؤكد في كل جلسة أنها بريئة وأن الفتاة التي رحلت لم تكن بالنسبة لها ابنة زوج فقط بل ابنة وقريبة وصديقة تحفظ أسرارها وتشاركها تفاصيل حياتها، ثم جاءت المفاجأة من محكمة النقض قضت ببراءتها لتتحول القضية من جديد إلى سؤال كبير:هل كانت الحقيقة غائبة طوال الوقت؟وهل دفعت امرأة ثمن الشائعات والغضب المجتمعي أكثر مما دفعت ثمن أي خطأ حقيقي؟!

«تجربة مرة»!

البداية امرأة قررت ألا تتزوج مجددا ًقبل سنوات من القضية لم تكن دعاء تتخيل أن حياتها ستتحول إلى هذا الكابوس، كانت قد مرت بتجربة زواج أول انتهت بالطلاق وخرجت منها بابن وابنة تحاول أن تبني لهما حياة مستقرة بعيداً عن المشكلات، عملت واجتهدت واعتمدت على نفسها وكانت تقول دائمًا للمقربين منها إنها لا تريد الزواج مرة أخرى.

تقول وبجوارها والدتها: «بعد طلاقي قلت خلاص أنا هعيش لأولادي وبس وكانت شايله المسئولية لوحدي، لكن ضغوط العيلة والمحيطين بي لم تتوقف، الجميع كان يرى أن المرأة لا يجب أن تعيش وحدها وأن الزواج سترة كما كانوا يرددون أمامي دائمًا.

ومع الوقت وافقت على الزواج من رجل في مركز سمنود بمحافظة الغربية كان لديه ثلاثة أبناء من زوجته الأولى: بنتان وولد، لم أدخل البيت باعتباري زوجة جديدة فقط بل دخلته وأنا أعرف أنني سأتحمل مسئولية ثلاثة أطفال يحتاجون إلى من يحتويهم بعد انفصال والدهم عن والدتهم.

في اللحظة التي صمتت فيها دعاء التقطت خالتها طرف الحديث وقالت: «هي دخلت البيت من أول يوم تحاول تكسب الأولاد وكانت خايفة حد فيهم يحس إنها غريبة عنهم، وبحسب أفراد أسرتها كانت الفتاة الكبيرة الأقرب إليها بين الجميع، كانت بتحبها أكتر من نفسها لم تكن العلاقة بين زوجة الأب والفتاة كما اعتاد الناس أن يتصوروا دائمًا، لم تكن هناك خلافات مستمرة ولا قسوة ولا معاملة سيئة كما انتشر لاحقًا، بل على العكس تؤكد أسرة دعاء أن الفتاة كانت مرتبطة بها بشكل كبير وأنها كانت تلجأ إليها في كل تفاصيل حياتها البنت كانت طول الوقت قاعدة معاها ولو دعاء خرجت شوية تفضل تسأل عليها ولو جت عند أهلها يومين بتكون معاها مابتسبهاش».

وبابتسامة خفيفة على وجهها وكأنها تسخر من الأيام تضيف دعاء: عمري ما حسيت نادين إنها بنت جوزي كنت بحبها جداً زي صاحبتي وكانت قريبة مني بشكل كبير، ومع مرور الوقت أصبحت الفتاة تعتبرني الأقرب إليها داخل البيت، كانت تدخل غرفتي لتحكي لي عن يومها وعن مشكلاتها الصغيرة وحتى عن مشاعرها التي بدأت تتغير مع دخولها مرحلة المراهقة.

حب مبكر

وسط تلك التفاصيل اليومية بدأت دعاء تلاحظ شيئًا مختلفًا، الفتاة الصغيرة التي لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها  كانت مرتبطة عاطفيًا بأحد الشباب.

في البداية– تقول دعاء - اعتقدت أن الأمر مجرد إعجاب عابر لكنه تحول مع الوقت إلى تعلق شديد، كانت الفتاة تبكي كثيرًا بسببه وتخاف من فكرة أن يتركها أو يبتعد عنها، كانت حساسة جدًا وأي كلمة منه كانت بتأثر فيها بشكل كبير. 

وبحسب رواية نادين لي فإن الشاب كان أحيانًا يقترب منها ثم يبتعد فجأة ما جعل الفتاة تدخل في حالات حزن متكررة، البنت كانت صغيرة ومشاعرها أكبر من سنها وكانت بتصدق أي كلمة، ومع الوقت بدأت الأزمة تتفاقم، محاولات سابقة لإنهاء حياتها؛ فقد سبق أن حاولت إيذاء نفسها أكثر من مرة بسبب حالتها النفسية.

المرة الأولى كانت داخل المدرسة بعدما دخلت في حالة انهيار عقب خلاف مع هذا الشاب، أما المرة الثانية فكانت داخل المنزل، وفي المرتين أنقذت في اللحظات الأخيرة بعد تناولها سم الفئران لإنهاء حياتها.

تستطرد دعاء قائلة: كنا بنخاف عليها جداً وكنت بحاول طول الوقت أهديها وأفهمها إن الدنيا مش هتقف على شخص، لدرجة أني حاولت بنفسي التواصل مع الشاب أكثر من مرة، كنت بكلمه وأقوله البنت صغيرة وماتستحملش ولو نيتك كويسة اتقدم لها بشكل محترم لكنه كان بيرفض، كنت بحميها نفسيا لا دفعها إلى أي أذى كما اتهمها البعض لاحقاً.

الكابوس

تصمت دعاء وكأنها تتذكر كابوسًا وعادت تقول: في ذلك اليوم كانت الأجواء داخل المنزل عادية في ظاهرها لكن الفتاة كانت تمر بحالة نفسية سيئة بعد خلاف جديد مع الشاب.

دخلت علىّ نادين وهي تبكي وأخبرتني أنها تريد أن ترسل له رسالة تجعله يخاف عليها؛ أن تصور لها مقطع فيديو توهم فيه الشاب بأنها ستؤذي نفسها حتى يعود للاهتمام بها، هي قالتلي صوريلي فيديو أخوفه بيه وأنا افتكرت إنها مجرد طريقة علشان يرجع يكلمها، أمسكت بمنديل ورقي وأوهمت الشاب بأنها تخفي بداخله شيئا تتناوله بينما الحقيقة أنه لم يكن يحتوي على شيء، وأرسلت الفيديو.

ثم جاء الرد الذي قلب كل شيء، رد بارد وقاسٍ جعل الفتاة تشعر أن الشخص الذي تعلقت به لا يهتم بحياتها ولا بخوفها ولا بدموعها، بعد ما قرأت رده سكتت فجأة ووشها اتغير بشكل خوفني بعد دقائق خرجت من الغرفة لبعض الساعات، لم أعلم أن تلك الساعات القصيرة ستقسم حياتي إلى نصفين:نصف قبل الحادث ونصف بعده.

عندما عدت إلى الغرفة وجدت الفتاة في حالة إعياء شديدة، في البداية لم استوعب ما حدث.

لكن خلال لحظات اكتشفت أنها تناولت بالفعل مادة شديدة السمية بعيدا عن الجميع.

تقول وهي تستعيد تلك اللحظات:صرخت بأعلى صوتي وناديت أي حد في البيت يلحقنا خرج الجميع مذعورين حاولوا نقلها بسرعة إلى المستشفى بينما كنت أبكي بصورة هستيرية، لكن الموت كان أسرع من الجميع، رحلت الفتاة الصغيرة تاركة وراءها بيتًا تحول في دقائق إلى مأتم كبير.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت الاتهامات.

الفيديو الذي تم تصويره قبل الواقعة انتشر بسرعة وتحول من محاولة طفولية لجذب الانتباه إلى دليل اتهام في نظر الكثيرين.

الشاب الذي كانت الفتاة مرتبطة به تقدم ببلاغ رسمي استند فيه إلى وجود زوجة الأب أثناء تصوير الفيديو معتبرًا أنني شجعتها على هذا التصرف، وخلال أيام تحولت من امرأة تبكي على فتاة كانت تعتبرها ابنتها إلى متهمة تواجه واحدة من أبشع الاتهامات.

جلسات المحاكمة

داخل المحكمة كانت دعاء تقف وهي تحاول التمسك بأي أمل.

كانت تؤكد في كل مرة أنها لم تدفع الفتاة إلى أي أذى وأنها كانت تحاول فقط تهدئتها، لكن وسط كل ذلك كان هناك طفل صغير لا يفهم شيئًا مما يحدث، رضيع لم يتجاوز عمره شهرًا واحدًا وقت الواقعة، طفل دخلت أمه السجن بينما كان لا يزال يحتاج إلى حضنها وصوتها ورائحتها.

تقول دعاء هنا: «أصعب حاجة كانت ابني اتحرمت منه وهو لسه رضيع»، سنة ونصف مرت عليها وأنا خلف القضبان بينما طفلي يكبر بعيدًا عني.

ووسط كل ذلك وقف بجانبي المستشار خالد عبد الرحمن المحامي الذي شعر منذ اللحظة الأولى أن القضية تحمل تفاصيل مختلفة عما يتداوله الناس، وأنني بريئة من هذه التهمة.

داخل السجن

كان ايه شعورك في أول يوم دخلتي فيه السجن؟!

بتنهيدة طويلة ودموع لمحتها تترقرق في عينيها أجابت دعاء: أول يوم دخلت فيه السجن كان أصعب يوم عدى عليّ في حياتي كلها كنت داخلة وأنا حاسة إن الدنيا انتهت مكنتش مستوعبة إني بقيت بين أربع حيطان حديد وإن اسمي بقى متهمة كنت مرعوبة وقلبي بيرتعش من الخوف والصدمة طول الليل كنت قاعدة أبص للسقف وأقول لنفسي إزاي حياتي اتقلبت كده في لحظة؟!، للأسف فيه مسجونات أول ما عرفوا قضيتي بصّولي بنظرات كلها قسوة وفيه اللي كانت تتعامل معايا على إني قاتلة فعلًا وده كان بيوجعني أكتر من السجن نفسه كنت أوقات بحس إني لوحدي وسط ناس كتير وكل واحدة بتحكم عليا من غير ما تسمعني.

لكن وسط كل ده كان فيه ناس قلبها رحيم، فيه سيدات وقفوا جنبي وكانوا بيقولولي: إحنا حاسين إنك مظلومة كانوا يهونوا عليا ويشاركوني الأكل والكلمة الطيبة والدعوة الحلوة عمري ما هنسى فضلهم عليّ.

وتابعت بصوت مرتعش؛ في الأول كنت كل يوم بعيط وكل ليلة أعيش نفس الكابوس لكن مع الوقت بدأت أتأقلم غصب عني الإنسان بيتعود على الوجع مهما كان صعب وقلت لنفسي خلاص أنا مستحيل هخرج من السجن هقضي اللي باقي من عمري هنا بقيت أعرف مواعيد الأبواب وصوت الخطوات ومواعيد النوم والصحيان بس قلبي عمره ما اتعود.

كنت دايمًا أقول لنفسي إن ربنا مش هيسيب حقي كان صديقي الوحيد هناك هو المصحف أقعد بالساعات أقرأ قرآن وأصلي وأدعي ربنا يظهر الحقيقة ويفك الكرب ده، كنت حاسة إن مفيش حد سامعني غير ربنا وكان عندي يقين انه هينصرني

في ليالي كتير كنت أنام وأنا بحضن المصحف وأصحى أبكي وأدعي كنت بطلب من ربنا بس إنه يظهر الحقيقة قبل ما أموت وأنا متظلّمة.

وفيه ناس عرفتها هناك عمري ما هقدر أنساهم فيه مسجونات كانوا بالنسبة لي أكتر من أصحاب دول بقوا زي أخواتي بالضبط شافوني وأنا مكسورة وخايفة وتعبانة نفسيًا وكانوا دايمًا يسندوني بكلمة حلوة أو دعوة أو حتى حضن وقت انهياري، فيه واحدة كانت كل ليلة تقعد جنبي وتفضل تقولي ربنا كبير ومش هيسيبك. وفيه اللي كانت تواسيني لما أبكي واللي كانت تفرحني بأي حاجة بسيطة الناس دي كان ليها فضل كبير بعد ربنا إني أقدر أبقى قوية وأستحمل السنة ونص اللي عشتهم هناك.

بس رغم حبي ليهم أنا مش قادرة أفكر أرجع هناك تاني دلوقتي مجرد التفكير في المكان بيوجع قلبي لسه كل التفاصيل محفورة جوايا الأبواب الحديد صوت القفل الليالي الطويلة والخوف اللي كنت بعيشه كل يوم.

يمكن ده إحساسي دلوقتي علشان لسه خارجة ومش قادرة أنسى الأيام القاسية اللي عشتها لكن ممكن مع الوقت لما الجرح يهدى شوية أقدر أرجع وأزورهم لأن فيه ناس هناك استحالة أنسى جميلهم طول عمري.

السجن علّمني إن الناس نوعين ناس بتحكم عليك من أول حكاية تسمعها وناس بتخاف ربنا وبتديك فرصة تتكلم واللي كان مصبرني طول الوقت إني كنت مؤمنة إن الحقيقة مهما اتدفنت لازم في يوم تظهر».

***

اليوم وبعد انتهاء القضية قانونيًا ما زالت دعاء تحاول استعادة حياتها من جديد.

تحاول أن تعيش بعيدًا عن الضجيج وأن تبدأ من الصفر بعدما خسرت سنوات من عمرها خلف الأسوار.

تقول أخيرًا «أكتر حاجة وجعتني إن الناس حكمت عليا من غير ما تعرف الحقيقة».

وفي النهاية تبقى هذه القضية واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا.

طفلة رحلت مبكراً.

اقرأ  أيضا: رفض طعن مدرس الفيزياء قاتل تلميذه وتأييد حكم الإعدام نهائيا

أم ضاعت سنوات من عمرها داخل السجن.

أسرة تفككت بالكامل.

وشائعات كانت أسرع من الحقيقة.

وربما لهذا سيظل السؤال الأصعب معلقًا في أذهان الجميع:

كم إنسان قد يتحول إلى ضحية فقط لأن الناس صدقت الحكاية قبل أن تكتمل؟ 

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة