الأقدم في إفريقيا| «حكاوي تروماي الرمل».. الفن يودع أيقونة الإسكندرية

تروماى الرمل

السبت، 20 يونيو 2026 - 03:37 ص

آخر ساعة

 لم يكن ترام الرمل فى الإسكندرية مجرد وسيلة نقل تجمع الغرباء، بل كان عالمًا مصغرًا تدور فيه حكايات المدينة اليومية.. يتهادى ببطء على قضبانه بجسمه المعدنى المتكدس بالركاب لينسج هوية خاصة امتدت لعقود طويلة، ورغم مغادرة هذا المسن الأزرق موضعه التاريخى، فإنه يرفض مغادرة قلوب السكندريين وذاكرتهم الحية، فهذا الخط التاريخى الممتد فى قلب عروس البحر شهد عبور آلاف الحكايات اليومية، وتراكمت على أرصفته ونوافذه تحولات الزمن التى طرأت على المدينة وسكانها حتى صار جزءًا من هُويتها. بين جدران "المتحف القومى بالإسكندرية" انطلق معرض "حكاوى تروماى الرمل" تحت شعار "كل تذكرة .. كانت حكاية"، ليقدم توثيقًا إنسانيًا لوداع أقدم ترام فى إفريقيا الذى يعد أحد أيقونات الإسكندرية من خلال فنانى نادى "عدسة" للتصوير. يتلاقى هناك عشاق المدينة فى مشهد أشبه بتأبين دافئ للترام، الذى ارتبطوا به عاطفيًا، فقد كان رفيقهم الذين شهد تفاصيل حياتهم وكان سندهم فى أزماتهم الاقتصادية بسعره البسيط. ورغم كل وعود التطوير ببديل نقل أسرع وأحدث، يبقى للترام القديم سحر لا تعوضه التكنولوجيا؛ فهنا نسجت الإسكندرية جزءًا من روحها التى لا تموت. يحمل معرض "تروماى الرمل.. ذاكرة المدينة" دلالة تتجاوز المعنى الحرفى لاسمه، فهو ليس عن المكان بقدر ما هو عن الطريق.. عن خط الرمل فى الإسكندرية، ذلك الشريان الذى شهد مرور آلاف الحكايات، وتراكمت عليه آثار البشر وتجاربهم.. هكذا يقول علاء الباشا مؤسس نادى للعدسة للتصوير ويضيف: "هذا المعرض محاولة لالتقاط تلك اللحظات غير المرئية؛ التى لا تُقال، لكنها تترك أثرها فى الأماكن قبل الأشخاص.. هنا يتحول المسار إلى ذاكرة، والمدينة إلى نص مفتوح، تُقرأ فيه قصص الفقد والتحوُّل والنجاة". اقرأ  أيضا: تقليل زمن التقاطر ورفع سرعات التشغيل.. ملحمة هندسية كبرى في تطوير مترو الإسكندرية  ويوضح لـ"آخرساعة" أن المعرض الذى يمتد حتى 18 يونيو الجارى شارك فيه 25 فنانًا وفنانة من أعضاء نادى عدسة، يمثلون تخصصات مختلفة فى عالم التصوير الفوتوغرافى، ومن خلال أعمالهم الفنية نستكشف كيف يمكن لمكانٍ عابر أن يحمل هذا الثقل الإنسانى، وكيف تصبح الحركة اليومية فوقه امتدادًا لحكايات أعمق مما يبدو. ويلفت الباشا إلى أن هذا النتاج الإبداعى للمعرض جاء بعد رحلة إعداد وتخطيط طويلة قادها نادى عدسة، حيث بدأت الفكرة برغبة حقيقية فى توثيق حكايات هذا الترام التاريخى، ولذا نظم النادى سلسلة من ورش العمل المكثفة والمتخصصة، التى انطلق من خلالها المصورون لتوثيق الأيام الأخيرة للترام بشكلها القديم، راصدين اللحظات الأخيرة للخطوط والمحطات قبل التحديث. وتنوعت رؤى المشاركين، فهناك من قدم لوحة مستقلة وهناك من قدم مشروعًا فنيًا متكاملًا يتكون من 12 عملاً منسقاً، يتتبع جغرافيا الذاكرة السكندرية عبر محطات الترام لرصد ذاكرة لا تمحى. بدوره يفسر الدكتور إسلام عاصم نقيب المرشدين السياحيين السابق بالإسكندرية أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر حالة الشجن المرتبطة بفقدان ترام الإسكندرية قائلا: "تلك الحالة العاطفية الحزينة للارتباط بالماضى ليست غريبة على أهل مصر والإسكندرية خاصة، فهم اليوم لا يفتقدون مجرد وسيلة مواصلات، بل يبكون على ما ألفوه وعاشوا فيه لسنوات طويلة، فللمدينة ذاكرة جماعية فريدة، ترتبط بكل سكندرى بشكل مختلف، محملة بحكايات ومواقف العمر اليومية". ويضيف: "مثّل الترام شريانًا حيويًا يربط الطلاب بمدارسهم وجامعاتهم، والموظفين بأعمالهم.. فلم يكن مجرد وسيلة نقل أساسية، بل وسيلة ترفيه مبهجة، فمثلا كان "الترام ذو الطابقين يُمثل نزهة سياحية بحد ذاته، تمنح ركابها فرصة تأمل المدينة على مهل".  ويلفت عاصم إلى أن حالة الارتباط بالماضى ليست  منحصرة فى مشروع  تطوير ترام الإسكندرية، فمثلا عند بناء تلك البنايات الجميلة فى شارع صلاح سالم بالمنشية التى نعتبرها اليوم تراثًا معماريًا مميزًا عارضها البعض حينها وقالوا فقدنا بعض معالم التاريخ اليونانى الرومانى، وهكذا نجد ارتباطًا شديدًا بالماضى". أما عن تاريخ الترام الذى يعد من أقدم خطوط الترام فى العالم نفسه فيقول د.عاصم: بدأت قصة حكاية "الخط الأزرق" من قلب المدينة (محطة الرمل) متجها نحو شرق الإسكندرية عبر مهندس بريطانى ذكى يُدعى السير إدوارد سان جون فيرمان نجح فى الحصول على امتياز لإنشاء خط حديدى ينطلق من محطة الرمل وينتهى عند منطقة "شُدس" عام 1860 حيث استشرف مستقبل المدينة المميز  وسارع لاستغلاله. وفى عام 1863 تم افتتاح أولى محطات "ترام الرمل"، وكان عبارة عن عربة قطار واحدة تجرها أربعة خيول تسير على سكك حديدية ثم حلّت القاطرة البخارية محل الخيول.. وقد مثّل الترام فى تلك الفترة نقلة مهمة خاصة أن الإسكندرية قد بدأت بالفعل فى التمدد نحو الشرق، خاصة مع اتجاه الأثرياء لبناء القصور والفلل فى ذلك الاتجاه، وتطورت أهميته بعد تعاقده مع مصلحة البريد لنقل الخطابات والرسائل من قلب المدينة إلى شرقها، وشهد الترام نقطة تحول أخرى عام 1903 عندما اسُتخدمت الكهرباء رسميًا لتشغيل الترام عبر الأسلاك الهوائية، لتصل عدد محطاته فى تلك الحقبة إلى 13 محطة أساسية.