سوق الموت الزراعي.. «مبيدات مغشوشة» تدمر التربة والمحاصيل
السبت، 20 يونيو 2026 - 03:38 ص
علا نافع
وقف المزارع الخمسينى "رمضان" وسط أرضه يتأمل أوراق محصول الذرة التى تحولت من الأخضر إلى الأصفر الباهت خلال أسابيع قليلة، كما بدأت بعض الآفات تهاجم السيقان بشراسة ما يهدد إنتاجية المحصول، لم يتخيل رمضان أن المبيد الزراعى الذى اشتراه من أحد التجار سيصيب محصوله بخطر شديد، إذ أقنعه البائع بأن مفعوله سريع وسعره زهيد، فما كان منه سوى شرائه على الفور خاصة مع ارتفاع تكاليف الزراعة وضيق الحال.
ومع الأسابيع الأولى من استخدام المبيد توقفت السيقان عن النمو، وبدأت الأوراق تذبل تدريجيا، كما تراجعت حيوية الأرض بشكل ملحوظ، حتى أن الآفات هاجمت المحصول ولم يجدِ معها أى علاج بعد ذلك، فما كان منه إلا الاستعانة بمهندس زراعى فحص العبوة والمحصول ليكتشف أن المبيد مغشوش، وأن المادة الفعالة الموجودة به مجرد نسبة ضئيلة لا تكفى للقضاء على الآفات بل تسببت فى إضعاف النبات والإضرار بالتربة.
لم تكن قصة رمضان الوحيدة من نوعها، بل إنها نموذج متكرر لأزمة تتسع داخل القطاع الزراعى، حيث تغزو المبيدات الزراعية المغشوشة الأسواق مستهدفة المزارعين الباحثين عن السعر الأرخص، تاركة وراءها خسائر فى الإنتاج وتدهورا فى خصوبة التربة.
غياب الإرشاد
أما عبدالتواب المزارع بإحدى قرى محافظة الشرقية فقد عانى الأمرّين للحصول على مبيد ينقذ محصول القطن من الآفات التى بدأت تلتهم أوراق القطن الخضراء، فمع ارتفاع درجات الحرارة تكشر الآفات عن أنيابها، تنقّل عبد التواب بين أكثر من جمعية زراعية، لكنه فشل فى العثور عليه، ليضطر فى نهاية الأمر إلى اللجوء لأحد تجار المبيدات، إذ عرض عليه أحد المبيدات المشهورة بسعر أقل من السوق.
ويقول المزارع الستينى إنه لم يكن يملك الخبرة الكافية للتفرقة بين العبوة الأصلية والمقلدة، خاصة فى ظل غياب الإرشاد الزراعى، حيث كان المهندسون الزراعيون يزورون الحقول قديما لتوعية الفلاحين بطرق الاستخدام والمبيدات المناسبة لكل محصول، وهو ما جعله فريسة سهلة لبعض تجار المبيدات المغشوشة، فضلا عن إغرائهم له بكون المبيد مستوردا ومشهورا بعدة دول أوروبية.
حملات رقابية
ومع دخول فصل الصيف وبسبب الاعتماد على المبيدات بكثرة، قامت وزارة الزراعة مؤخرا بإجراء حملات تفتيشية موسعة على منشآت ومحلات تداول المبيدات بمختلف المحافظات، وأسفرت عن ضبط أكثر من 6 آلاف عبوة مبيدات مغشوشة، وتحرير 21 محضرا وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأنها.
ولم تتوقف الوقائع عند هذا الحد ففى شهر أبريل الماضى أعلن جهاز حماية المستهلك ضبط مخزن غير مرخص بمنطقة البدرشين فى محافظة الجيزة، يُستخدم فى تصنيع وتداول مبيدات زراعية مغشوشة مجهولة المصدر تحمل أسماء علامات تجارية شهيرة، حيث أسفرت الحملة عن ضبط 10 أطنان من المبيدات غير المطابقة للمواصفات، إلى جانب 6320 عبوة فارغة و17 ألف ملصق لعلامة تجارية مختلفة.
وفى محافظة القاهرة تمكنت شرطة التموين من ضبط مصنع غير مرخص بمنطقة المرج عثر بداخله على 18 طنا من المبيدات الزراعية والحشرية المغشوشة، بينها 13 طنا خاما مجهولة المصدر و5 أطنان مبيدات معبأة داخل عبوات تحمل علامات تجارية مقلدة.
كما شهدت محافظة أسيوط عدة حملات رقابية موسعة خلال مايو ويونيو، استهدفت مراكز أبوتيج والبدارى وصدفا، أسفرت عن ضبط مخازن ومحال غير مرخصة تحتوى على مبيدات مغشوشة ومحظورة ومجهولة المصدر.
وجاءت هذه الوقائع لتدفع النائب البرلمانى إبراهيم الديب إلى تقديم طلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة بشأن وجود كيانات غير قانونية تستهدف تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب سلامة الأراضى الزراعية والمحاصيل، وأوضح الديب أن خطورة هذه الجرائم لا تتوقف عند حدود الغش التجارى فقط، بل تمتد إلى الإضرار المباشر بالرقعة الزراعية، والتأثير على إنتاجية المحاصيل، وتهديد صحة المواطنين نتيجة استخدام مواد كيميائية مجهولة المصدر فى الزراعة.
أمن قومى
ويقول حسين أبو صدام نقيب الفلاحين: يعد انتشار تجارة المبيدات الزراعية المغشوشة خطرا كبيرا يعصف بالأرض الزراعية، وصحة المواطنين، مؤكدا أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر فقط على الحملات الرقابية، وإنما تتطلب دعما حقيقيا للفلاح من خلال توفير المبيدات والأسمدة المعتمدة بأسعار مناسبة داخل الجمعيات الزراعية، حتى لا يضطر المزارع إلى اللجوء إلى الأسواق المجهولة.
ويشير إلى أن عودة الإرشاد الزراعى أصبحت ضرورة ملحة، خاصة أن هناك الكثير من الفلاحين قد يقعون فريسة للتجار معدومى الضمير، ولا يستطيعون التفرقة بين المبيدات الأصلية والأخرى المغشوشة، مؤكدا أن المكاسب التى يحققها هؤلاء التجار أحد أسباب رواجها.
ويضيف أبو صدام أن القضية لم تعد مجرد مخالفة تجارية، بل تحولت إلى قضية أمن قومى بسبب تأثيرها المباشر على الإنتاج الزراعى وصحة المواطنين ومستقبل الأرض الزراعية.
وعن طرق غش المبيدات يقول: يتم تصنيع هذه المبيدات بطرق متعددة أبرزها خلط المادة الفعالة الأصلية بمواد مجهولة المصدر، أو منخفضة الجودة لتقليل الكفاءة وزيادة هامش الربح، مما يؤدى إلى ضعف كفاءة المبيد وعدم قدرته على مقاومة الآفات الزراعية.
ويضيف أن بعض المتورطين يلجأون إلى تخفيف المبيدات الأصلية بنسب كبيرة من المياه والمذيبات، ثم تعبئتها داخل عبوات مقلدة تحمل أسماء شركات معروفة، فيما تعتمد بعض الورش غير المرخصة على استخدام عبوات فارغة وملصقات مزيفة لإيهام المزارعين بأن المنتج معتمد ورسمى.
الأمراض الفطرية
وعن تأثير المبيدات المغشوشة على النبات يقول الدكتور محمد كمال أستاذ أمراض النبات: لا يؤدى استخدام هذه المبيدات إلى فشل مكافحة الآفات فقط، بل يتسبب أحيانا فى إضعاف النبات نفسه، وزيادة قابلية إصابته بالأمراض الفطرية والبيكتيرية، نتيجة احتواء بعض تلك المنتجات على تركيزات غير مطابقة أو مواد مجهولة المصدر.
ويطالب كمال بضرورة تشديد الرقابة على تداول المبيدات إلى جانب إعادة تفعيل دور الإرشاد الزراعى لتوعية المزارعين بكيفية اختيار المبيدات المعتمدة وطرق الاستخدام الآمن.
جهود ورقابة
فيما تقول الدكتورة هالة أبويوسف رئيس لجنة مبيدات الآفات الزراعية بوزارة الزراعة: تمثل المبيدات المغشوشة خطرا كبيرا على الإنتاج الزراعى وصحة المواطنين، لما تحتويه على مواد مجهولة المصدر تؤثر على خصوبة التربة وجودة المحاصيل، فضلا عن تهديدها لسمعة الصادرات المصرية، مؤكدة أن بعض الفلاحين يشترونها لرخص أسعارها مقارنة بالأخرى الموجودة بالجمعيات الزراعية.
اقرأ أيضا: الزراعة تضبط 2360 عبوة مبيدات مخالفة خلال حملات رقابية في 3 محافظات
وتضيف: تكثف لجنة مبيدات الآفات الزراعية جهودها مع المعمل المركزى للمبيدات لمتابعة الأسواق وتحليل العينات للتأكد من مطابقة المنتجات المتداولة للمواصفات والمعايير المعتمدة، وذلك فى إطار الحفاظ على سلامة السوق المحلية.
وتشير أبويوسف إلى أن اللجنة تعمل حاليا على تطبيق منظومة إلكترونية ذكية لتتبع عبوات المبيدات، بهدف إحكام الرقابة على تداولها ومنع تسرب المبيدات غير المسجلة ومجهولة المصدر إلى الأسواق، موضحة أن النظام يتيح التأكد من بيانات العبوة ومصدرها ومدى اعتمادها رسميا.
نشاط ودعم
وكان وزير الزراعة علاء فاروق أصدر توجيهاته بتشديد الرقابة على سوق المبيدات وحماية منظومة الإنتاج الزراعى فى مصر، مما دفع لجنة مبيدات الآفات الزراعية لإجراء تحركات واسعة لبحث آليات التصدى لتهريب وغش المبيدات حيث أصدرت عددا من التوصيات الهامة منها تغليظ الإجراءات القانونية ضد المتورطين فى تداول أو تهريب المبيدات غير المشروعة.