محمد درويش يكتب: خمسون عامًا فى رحابها

محمد درويش

السبت، 20 يونيو 2026 - 09:21 م

الأخبار

هى قصة حب للمهنة ولأخبار اليوم المؤسسة وصحيفة الأخبار الغراء، حب هو أشبه بالعشق والهيام. منذ أسبوع وتحديدًا يوم الاثنين الماضى ١٥ يونيو أتمت الأخبار عامها الرابع والسبعين لتبدأ أولى خطواتها نحو اليوبيل الماسى «٧٥ عامًا» ومنذ هذا الشهر إلى أن نصل إلى يوبيلها الماسى وضع الدكتور أسامة السعيد رئيس التحرير مخططًا يليق للاحتفال بهذا الحدث الكبير «اليوبيل الماسى»، يتابع قراؤنا الأعزاء شريطًا من الذكريات عاش معظمه من هم فى العقد الثامن من العمر أو التاسع وارتبطوا بالصحافة الجديدة التى صنعتها أخبار اليوم منذ صدورها عام ١٩٤٤ أسبوعيًا إلى أن ولدت شقيقتها الأخبار اليومية التى تصدر يوميًا عدا السبت الذى ظل مرتبطًا بعددها الأسبوعى وربما كان الإصدار الأسبوعى الذى له فريق عمل خاص به بداية من رئيس التحرير مرورًا بباقى القيادات وصولًا إلى أصغر محرر، مع ملاحظة أن غيرها من الصحف اليومية القومية احتفظت بعددها الأسبوعى بنفس فريق العمل الذى يصدر الصحيفة اليومية اللهم فى فترة ما كان بجريدة الجمهورية رئيس تحرير للعدد الأسبوعى فقط مع اعتماده على طاقم التحرير للعدد اليومى. هذا التميز الذى ظل عليه العدد الأسبوعى لأخبار اليوم منح مزايا أخرى لمحرريها، فهم الأشهر بين صحفيى الدار وهم الذين يستمرون طوال الأسبوع فى إعداد وجبة صحفية متميزة دسمة إلى حد أن الكثيرين من القراء ارتبط فقط بالعدد الأسبوعى، هذا الارتباط كان وراءه أسماء لامعة حفرت أسماءها فى سجل الصحافة المصرية وبحث عنها القارئ فى كل مكان ذهبت إليه. لم يكن شرط العمل الصحفى يحتاج إلى مؤهل عالٍ كما اقتضت ذلك عضوية نقابة الصحفيين فى بداية السبعينيات تحديدًا، ولم يكن أيضًا يشترط أن يكون الخريج قسم صحافة بكلية الآداب الذى تحول إلى كلية الإعلام أو معهد فى البداية تابع لجامعة القاهرة واستقبل أولى دفعاته عام ١٩٧١ حتى تحول إلى كلية عام ٧٣ ولم تعد هناك اختبارات للقبول بالمعهد، بل أصبح القبول عن طريق مكتب التنسيق وبالمجموع. عن نفسى عندما حصلت على الثانوية العامة عام ١٩٧٣ قسم «علمى» كانت رغبتى الأولى كلية الإعلام وكنت واثقًا من دخولها لأن الحد الأدنى للقبول بالمرحلة الأولى كان ٢٦٤ درجة ومجموعى ٢٦٣٫٥! أى أن كل الأماكن متاحة بعد المرحلة الأولى فمثلى مثل أول الثانوية العامة أى رغبة أولى أدونها على رأس ٣٢ رغبة سيتم قبولى دون نقاش أو انتظار منى وترقب، كانت أمامى فرصة الالتحاق بهندسة بترول السويس ومعهد إليكترونيات منوف ومع ذلك كانت إعلام رغبة أولى، فقد كان دخولى القسم العلمى تحت ضغط أسرى رفضت استخدامه مع أبنائى. سامى محمود وبالفعل التحقت بالكلية ولاحظت أن الكثيرين وخاصة الزملاء من البنات يقولون إنها لو لم تكن كلية وظلت معهدًا ما فكروا فى الالتحاق بها! كانت تصدمنى هذه المقولة، أنا من ارتبطت نشأته بجريدة الأخبار وأسماء صغارها مثل كبارها، عندما دخل علينا قسم التحقيقات الصحفية أستاذنا سامى محمود وعندما قدّم نفسه لأعضاء القسم لم يعرفه أحد سواى فطالما قرأت له وظهرت على ملامح الرجل ابتسامة رضا وأنا أرحب به وأذكره بما كان يكتبه فى أخبار اليوم العدد الأسبوعى. هذا الارتباط بالأخبار تحديدًا ساقنى إليه قدرًا ابن عم أبى الذى كان على علاقة بأستاذنا الراحل أحمد الجندى فطلب منه أن أحضر لأقابله يوم السبت ٩ أكتوبر ١٩٧٦ وأنا على وشك العام الدراسى للسنة الرابعة فى كلية الإعلام وأسقط فى يدى عندما حضرت للقائه فى الموعد المحدد ولكنه طلب تأجيله إلى السبت ١٦ أكتوبر، لم أحبط أو أيأس، فقد توسمت فى أستاذنا الجندى الصدق والإخلاص. ١٦ أكتوبر ١٩٧٦ يوم ١٦ أكتوبر قدّم لى ملفًا يضم رسائل القراء، حيث كان مشرفًا على باب «إلى محرر الأخبار» وهو الباب الذى يستقبل رسائل وأحيانًا تلغرافات تحمل موضوعات كانت بمثابة رافد غذائى لأقسام متعددة منها قسم التحقيقات الذى كان أعضاؤه يوصوننا بعد ذلك بتقديم أفكار جديدة للتحقيق الصحفى من خلال هذه الرسائل. بعد يومين قدمت صياغتى لعدد من الرسائل التى كان يحتويها الملف وجلست أمام أستاذى أحمد الجندى أبسمل وأحوقل وفوجئت به بعد اطلاع سريع يقول لى: أنت بتكتب كويس جدًا. كانت جملة رفعت معنوياتى إلى السماء فما زلت فى أول اختبار أصبحت بعده فى أول خطوة فى المشوار الذى بدأ وأحتفل بيوبيله الذهبى إذا شاء الله فى ١٦ أكتوبر المقبل، وهو المشوار الذى قد يحتاج لمجلد من القطع الكبير يضم أحداثًا ورؤى يزخر بها العقل والوجدان. الدور المسحور  للدكتور مصطفى الفقى تعبير مشهور يصف فيه جيله بأنهم ينطبق عليهم مصطلح «الدور المسحور» وهو الدور الذى لا يدلف إلى دخوله إلا من هو على دراية بمكانه وفتحات دخوله. ولا أدرى لماذا هذا الوصف رغم كل ما حققه فى حياته من نجاحات، أرى أن هذا التوصيف ينطبق أكثر على أبناء جيلى من خريجى الإعلام، فقد اتسم العهد السابق بالاستاتيكية أو الثبات وعدم الديناميكية أى التفاعل والحراك، فقد خرج أساتذة إلى المعاش فى سن الستين دون يوم واحد زيادة مع احتفاظهم بكتابة المقالات يوميًا أو كل حين ومنهم موسى صبرى، سعيد سنبل، ووجدى قنديل. ولكن كانت مفاجأة عندما كنا نعد الطبعتين الثانية والثالثة وجاءتنا جلسة مجلس الشعب «آنذاك» بالموافقة على مد سن تقلد مناصب رئاسة التحرير أو مجلس الإدارة فى الصحف القومية إلى ٦٥ عامًا بدلًا من ٦٠!! وكان نصيب البعض أن استمر «مثلا» رئيسًا لمجلس الإدارة ١٤ عامًا ورئيسًا للتحرير ٢٦ عامًا وهى عدد سنوات لم تتحقق للعملاق مصطفى أمين صاحب الجورنال، ولولا لجوء البعض إلى القضاء الإدارى مطالبين بتطبيق القانون وضرورة الخروج للمعاش مع بلوغ ٦٥ عامًا وتعيين قيادات جديدة وهو الذى رضخ له رئيس مجلس الشورى آنذاك صفوت الشريف فكان قراره بالتغييرات فى الأسبوع الأول من يونيو ٢٠٠٥ عندما صار يقينًا أن حكم القضاء الإدارى سيكون لصالح أصحاب الدعوى. ست سنوات مرت على التغييرات وقامت ثورة ٢٥ يناير وإذا حسبنا عدد رؤساء تحرير الأخبار مثلًا من بعدها حتى اليوم أى خلال ١٥ عامًا لوجدناهم خمسة منها مدتان للراحل ياسر رزق فى الوقت الذى ظل البعض فى الصحف القومية لأكثر من عقدين من الزمان. وفى النهاية هى قصة حب للمهنة ولأخبار اليوم المؤسسة وصحيفة الأخبار الغراء، حب هو أشبه بالعشق والهيام يجسده الإحساس بمجرد الخروج من محطة مترو الإسعاف وتصعد السلم متجهًا إلى شارع الصحافة ويغمرك الإحساس بعودة الروح حتى لو كان يوم جمعة أجازتى الأسبوعيه!! ربما كانت حالة مرضية أو وجدانية ولكن تبقى كلمات القاص فتحى أبو الفضل: «أقدارنا كظلالنا تتبعنا من لحظة الميلاد إلى صمت القبور».