الحزن من الباب القديم
الأحد، 21 يونيو 2026 - 11:48 ص
أخبار الأدب
أحمد المريخى
كل التعليقات اللى بتصاحب خروج الروح..
الوحْشَةْ اللى ف عيون الحريم
نهيج جزمتك
وانت بتحاول تسبق الخشبه
وحتى رعشة إيد المغسل
وهى بتطفى النور..
كل دى صور قديمه
بتلونك وانت ماسك البرواز)..
وحين عرَّفنى الأصدقاء على سيد العديسى قبل نحو ثلاثين عاما، كنت قد سمعت قصائد متفرقة له ربما فى الأقصر أو أسوان، وحين خرج ديوانه الأول فى ٢٠٠٤، حرصت على اقتناء أكثر من نسخة لأهنئه، بينما وجدته يسارع بإهدائى نسخة موقعة، مازالت فى مكتبتى حتى الآن.
وفى تقديرى أن ديوان (قبلى النجع) هو درة أعمال صديقى الشاعر السيد العديسى؛ حيث تتجلى فيه روح شاعر له صوته الخاص، رسم عبر قصائده جدارية كبيرة لبيوت عتيقة فى قلب النجع، فيها من شمس الجنوب دفقة الفطرة ودفء المشاعر، جدارية أراد أن ينقلها معه حيثما حل حتى فى المدينة الكبيرة القاهرة التى استقر بها وأنتج فيها دواوينه الفصحى المعجونة بلغة تحمل روح العامية وفصاحتها وبساطتها، وتحمل مضامين تدور فى فلك القرية المصرية فى جنوب الصعيد.
المهم أننى وسيد تقاربنا جدا، رغم أنى لا أتذكر بالضبط متى التقيته أول مرة وأين؛ هل فى مهرجان «أنس الوجود» بقصر ثقافة أسوان أم فى مهرجان «طيبة» بالأقصر أو فى المدينة الكبيرة القاهرة، لكن المؤكد أننى قابلته وجالسته فى كل هذه الأماكن وغيرها، فقد عرفته مصاحبا لأحباب وأصدقاء وزملاء يشيدون بخصاله الطيبة؛ فهو جدع ومحترم ومهذب ومبهج، وقد اقترب منى أكثر وأكثر بعد استقراره فى القاهرة، كما اقتربت منه شاعرا له صوته الخاص فى قصيدة العامية، وصديقا ودودا، وقد سمعت منه عددا ليس بالقليل من القصائد المميزة بعد ديوانه (قبلى النجع)، وتوقعت منه أن يخرجها فى ديوان جديد، وبينما أحدثه فى ذلك وجدته يحكى لى عن شروعه فى التحضير لديوان فصحى ينتمى لقصيدة النثر؛ «ايه رأيك يا عمى فى ديوان نثر فصحى.. هيعجبك خالص». وكمن يعرف الماء بالماء، قلت له «الشعر شعر فى أى لغة»، وكنت متحمسا للغة سيد فى (قبلى النجع)؛ هى لغة تحوم حوله فى البيت وفى تفاصيل القرية والنجع، وفى الكائنات الحرة التى تعيش بيننا ونتفاعل معها كمخلوقات تشبهنا تماما، فمن هناك بنى العديسى عالما يميزه، ثم خلطه بعوالم المدينة فى مفارقات حرص عليها فى دواوينه التى انتجها لاحقا بالفصحى (يقف احتراما لسيدة تمر).
كنت أصفق لسيد لكنى لا أخفى عنه ملاحظاتى العديدة على تجربته مع نثر الفصحى، أكرر عليه مفردة (لو) كثيرا، ومعه أضرب دون خجل أمثلة لعدد من التشابهات التقنية الواضحة مع أساليب لشعراء من الأصدقاء أو تأثره بتجارب آخرين بشكل لافت.
ويبتسم سيد ولا يخلو حديثه من التندر على البعض حتى أنا الذى أحدثه كواعظ فى التُرَب؛ يضحك فى مثل تلك المرات لكن مع ضحكاته يخرج صوته لطيفا: «دمرتنى يا عمى».
الصداقة والمحبة هما تاج علاقتى بسيد العديسى، وحين تعرفت عليه لم يرد على ذهنى أن شقيقه «هاني» سيرافقنى بعد ذلك بسنوات فى رحلة مشقة ممتدة.
وبينما لا أتذكر أين التقيت سيد بالضبط أتذكر جيدا أين قابلت «هاني»؛ كان اللقاء فى بروفة لوحة تشكيلية تنتمى لفن الفيديو آرت؛ حيث يروض «هانى» جسده وفقا لحركة طوق عجلة تلف وتدور فى مساحة محدودة؛ يقرفص تارة ويقفز تارة أخرى، بينما يرسم له صديقنا الفنان محمد الجنوبى حدود حركته.
أعجبتنى قدرة ذلك الفتى المفتون بالفن والخجول -آنذاك- وقد قدمه «الجنوبى» لى قائلا: «هانى؛ أخو سيد العديسى» ابتهجت لذلك، وأحببت «هانى» وعرفت بمحبته لقراءة الأدب بل وكتابته، وقد أنتج فى ذلك مجموعة من القصص حتى قبل عمله بالصحافة، وصار له بعد ذلك أكثر من عمل قصصى وروائى، كما أحببت إصراره على مواصلة حلمه للعمل بالصحافة، وقد صار لاحقا زميلا لى يكتب باسم إيهاب مصطفى.. ولم أسأله عن لغز الاسمين لتسليمى بأن هانى هو اسم الدلع، لكنى اندهشت لأنه ابتعد عن لقب العديسى، وفهمت لاحقا انه ربما قصد ذلك حتى لا يُحسب على شقيقه سيد، بينما كان سيد حريصا على دعمه: «يا عمى خلى بالك من هانى»، وكان إيهاب موسوما -بالنسبة لى- ب«زَرِّ الحاجبين»؛ حزين حزن لا تعرف منبعه لكنه عندما يضحك تهدر الأرض؛ صوته الصاخب يصاحب قهقته ثم -بشكل آلى- يعود حاجباه إلى وضعهما الطبيعي.. ومن باب الهزار -اللى مقصده الجد- سألت سيد أكثر من مرة عن «لغز النكد» عند إيهاب؛ أقول له: «مقدرش أزعل من نكد هانى عشان خاطر ابتسامتك»..
وسيد ينظر لى ويبتسم؛ دائما يبتسم ابتسامة تشرح القلب، ويرسل لى نظرة جانبية وكأنه يسرب لى حل اللغز.
يأسرنى السيد العديسى بحديثه للآخرين عن زمالتنا فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، ويطوقنى بكلماته عن أننى واحد من أسباب عمله بالصحافة.. بينما تحضرنى -وأنا فى حضرة إيهاب الآن- كلماته:
«بتقدر تدخل كل منادر حزنى
تزرع حسك
وتطيِّر كل الغربان
بتقدر تمشى ع السلك
بتقدر تقتل كل التفاصيل الجامده
كل المسافات الفاضيه
وما بتقدرش تموت».
أنظر لصديقى العزيز إيهاب مصطفى نوبى -المكلوم مثلى ومثل كل أصدقاء ومحبى السيد- وأتذكر معه واحدة من تجليات السيد أو «رسايله» فى (قبلى النجع):
مالك مسروق
ومغلِّب طوب النجع معاك
مطرح ما تروح..
تعتر رجليك
إياك بتخلص ذنب قديم
رايح جاى كيف الدیدبان
من بيت الراحة
لبيت الله
لبيوت الناس
مداسك متخيط ف الباط
إن حد يلمَّحْلك بعتاب
هاتك يا نواح»..
وأقول لنفسى ولصديقى العزيز إيهاب لقد نقش السيد العديسى مبكرا جدارية رسمت مساره واستشرف فيها مسيرته الحافلة بالشعر والمحبة، مسيرة ستظل حاضرة معنا، أليس هو القائل لأبيه: «يمكن أكون خامة ولى».. هو باق معك ومعنا.. وأبدًا لن يغيب.