حين نسمى الأشياء بمسمياتها
حين نسمى الأشياء بمسمياتها
الأحد، 21 يونيو 2026 - 11:53 ص
أخبار الأدب
د. النوبى عبد الراضى
هو ابن النجع الذى عاد إليه فى كفن وكأن أمه نذرته للموت، لم يكن غريبا عليه ذلك المشهد الذى ختم به حياته، وأسدل به ستار عمر نراه قصيرا بما نعد من السنين، ويراه طويلا بما واجه من أزمات، وما لاقى من صعاب.
لقد حفروا له عميقا وأهالوا عليه كثيرا من التراب، ورصوا فوق التراب طبقة من الطوب اللبن، تعلوها طبقة من التراب فوقها رصت طبقة من الطوب، فوقها طبقة من التراب، وكأن المشهد يقول لمن عنده شك أن «سيد» الذى ارتبط بهذه الأرض لا يمكن بحال من الأحوال أن يخرج منها.
إنها العودة إلى النجع، تلك العودة التى انتهى إليها أمل دنقل، وتلونت بلون تراب الوطن، وهتف بها صديقه رمضان عبد العليم: «راجعلك يا نجعى افتح لى فى قلبك قبر»، عاد «السيد العديسي» إلى النجع الذى ارتبط به، وكتب له، وغنى لأحلامه وآماله، وناضل من أجل وعى يليق بأهلنا، وثقافة تفتح آفاقا نحو المستقبل.
فى مشهد الوداع شاهدت النسوة وهن يلوحن له بمناديل اللوعة، وكأنهن كن ينتظرن أن يقوم فى نعشه ليرد عليهن بتلويح من يده، ولوعة الصراخ تؤكد أن سيد يشاركهن نفس اللوعة.
حين أتحدث عن «سيد العديسي» أجدنى أتحدث عن نفسي، وعن رمضان عبد العليم و أمل دنقل وأـشرف البولاقى ومحمود الأزهرى ومحمود مغربى ومأمون الحجاجي، والعديد من هؤلاء الذين صاروا أيقونات للرحيل فى حياتنا، الذين رحلوا بينما بقيت إبداعاتهم تتحدى الموت وتأتلق فى جبين الزمن.
اختار «السيد مصطفي» أن يتسمى بالعديسى أن يرتبط بالمكان الذى ولد ونشأ فيه، بما فى هذا المكان من قسوة وحنان، وحميمية وجفاء، وحب، تجلى كل ذلك فى مشهد الوداع، الذى ودعت فيه العديسات ابنها بكل أطيافها وبكل أجيالها؛ ليقول لهم كما أنه لا حيلة فى الرزق؛ لا حيلة فى الحب، وكأنى أسمع مطلع قصيدته التى يقول فيها:
فـ حجر الدكة كان قاعد
عضمه والخشب.. واحد
لو اتمطع..
تطقطق كل خشباته
من وقت ما يرفع الرجلين
لحين ما يوصلوا «البلغة»
يكونوا الفردتين ماتوا