القصيدة فأس صغير
القصيدة فأس صغير


القصيدة فأس صغير يهذب به وجه العالم

أخبار الأدب

الأحد، 21 يونيو 2026 - 11:56 ص

عمر شهريار

جماليا، تتكئ تجربة الشاعر سيد العديسى على صناعة المفارقة بشكل كثيف، مفارقات مُفعمة بالأسى، مع كثير من الحس السردى شديد الوضوح فى دواوينه، فضلا عن المشهدية التى تبرز فى كل نص له، إضافة إلى الكثافة الشديدة، حتى تبدو كثيرا من نصوص دواوين مقاطع لا تتعدى خمسة أو ستة سطور شعرية، فالقصيدة لديه طلقة، تخرج مكثفة، ومُفعمة بالمفارقة، وقادرة على سرد موقف درامى واضح، له بداية ونهاية.

بعيدا عن الجانب التقني، فإن ملامح التجربة الشعرية لديه تدور فى ثلاث دوائر محددة، لا تكاد تفارقها، سواء فى ديوانه «كيف حالك جدا»، أو فى ديوانه «كقاطع طريق.. أموت ليظل اسمها سرا» الذى ستتوقف عنده هذه القراءة. هذه الدوائر هي: القرية، والطفولة، والحبيبة. وعبر هذه الدوائر الثلاث يشيد الشاعر العالم الذى يرنو إليه، يشيد عالما بديلا فى فضاء القصيدة، التى تبدو فضاء ومكانا آمنا لتمثل وصناعة العالم المثال، على أنقاض العالم الحقيقي. فالقصيدة تصبح حقلا، يزرع فيه عالمه المتخيل، عالمه القروى والطفولى والعاطفي، واللغة فأسه الذى يستخدمه فى زراعة هذا العالم البديل، وحرث أرضه بالكلمات، هربا من العالم الحقيقي، عالم المدينة والكبار واللاحب، مشيدا نموذجا بديلا يهذب به وجه العالم، حسبما يقول فى احد مواضع الديوان «لا أملك سوى فأس صغير/ أهذب به وجه العالم»، وليس مستغربا أن يلجأ الشاعر لهذه العوالم لزراعتها فى أرض القصيدة، لأنه ببساطة يستعيد ذاته الآمنة، التى خبرها وعرفها ويطمئن إليها، ومن ثم فإنه يلوذ بعوالمها، فهو يصف نفسه قائلا:
لا أعرف من الورد سوى نوار البرسيم
أبو قردان صديقى الوحيد
أحصى المواسم حسب المحاصيل
وحين أخلع عمامتى يفترسنى الصداع
الدائرة الأولى تؤطر التجربة مكانيا، إذ تبدو القرية، وتحديدا النجع، هى مركز العالم بالنسبة للذات الشاعرة فى هذا الديوان، بل هى العالم ذاته، ولا عالم خارجها، فما خارج دائرة القرية والنجع يبدو شيئا غير منظور، أو غير موجود، أو يبدو وجودا سالبا، يخصم من القرية، أو يهددها، ومن ثم فما يوجد خارجها إما بمثابة وجود زائد عن الحاجة، أو وجود مهدد للقرية والنجع، أو مهدد لوجودها الذهنى فى وعى الذات الشاعرة وتصوراتها عن ذلك الفضاء المكانى الأول، الممتد معها، فالذات مسكونة بهذه القرية، وتتعاطى معها بوصفها الفضاء الأثير، البدء والمنتهى، على عكس المدن، التى يأتى تصويرها سلبيا، بوصفها مصدر شرور، ولا تقربها الذات الشاعرة إلا مضطرة:
أنا الذى تجولت
فى عموم المدن
لأقطع الألسنة التى ذكرت اسمك دون تبجيل
هنا، ووفق هذا التصور المثالى للقرية فى وعى الذات الشاعرة، يصبح كل ما هو خارج عن نواميسها الأولية الراسخة فى الوعى تهديدا لبكارة النجع، بملامحه القديمة، حتى لو كان محاولات للتحديث، فكل ما يأتى من خارجها أو يحاول تغيير طبيعتها وبيئتها وشروطها تتمثله الذات بوصفها تخريبا بيئيا وثقافيا، حتى لو كان شيئا بسيطا مثل استحداث الصنابير، يقول:
حكومة فاسدة
قالت لأهل النجع: ازرعوا الصنابير
فى جدران البيوت
فما عادت الفتيات ترقصن من ثقل جرارهن
وما عاد النهر يشبع شهوته
يتبدى فى هذه المقاطع، ثنائية التحديث والطبيعة، وانحياز الشاعر للطرف الأخير، رغبة فى عدم جرح الصورة المثالية عن القرية، كما يتبدى أيضا، العلاقة الجدلية بين المكان وساكنيه، بين الطبيعة والبشر، وتبادل الإشباع بين النهر والفتيات، فالنهر يمنح الفتيات متعة الرقص والتمايل، وهن يمنحنه إشباع شهوته حين يلامسن مياهه بأطرافهن، لحظة ملء الجرار، ومن ثم فإن اقتحام الصنابير إفساد للعلاقات الطبيعية والبيئية بين الناس والنهر. وكثير من قصائد هذا الديوان وتجربة العديسى عامة، يمكن قراءتها من منظور بيئي.
ليست الصنابير وحدها التى يأتى تمثيلها شعريا بوصفها رمزا منبوذا من رموز التحديث، البغيض وفق هذه الرؤية الشعرية، فالقطار رمز آخر يعضد هذه الرؤية السلبية لكل ما يلوث نقاء القرية القديمة، يقول:
حين كنا صغارا
لم نكن نعرف شكل القطار
كنا نعتقد أنه غولة
تأكل الأيدى والسيقان
وتقذف بالأقارب للبلاد البعيدة
فالقطار، فى مخيلة ذلك الطفل الصغير الذى كانه، ليس وسيلة مواصلات، ولا مظهرا للتحديث، بل «غولة»، بكل ما تحمله هذه الغولة من دلالات سلبية فى الوعى الشعبى وحكايات الجدات، فإذا كانت الصنابير حرمت النهر من أيدى وسيقان الفتيات لحظة ملء الجرار، فإن القطار يقطع ايدى وسيقان الجميع، يحرمهم من فعاليات وجودهم، من المشى والتلامس والإمساك بالفئوس، يمثل بهم ويقتلهم أحياء، ويقذف بالأقارب للبلاد البعيدة، فهو وسيلة اغتراب، وليس وسيلة تواصل واتصال.
وكثيرا ما يتصل بهذه الدائرة آخرون، يأتى وصفهم على الأرجح بضمير الغائب، هؤلاء الذين يترصدون لعوالم القرية النقية، ويسعون لتقويضها، أو الذين يفسدون علاقات الذات بالدائرتين الأخريين، يقول:
ردموا البئر
عطلوا الساقية
حولوا مجرى النهر
كمموا فم السماء...
ولم يمنعوا وردة نبتت خلسة فى فم الفلاح.
فالضمير هنا يعود على جماعة غير محددة بشكل يقيني، لكنها ضمنا تشير إلى كل من يجرحون دوائره الأثيرة، ويلوثون نقاءها، فالأفعال الأربعة المتتالية فى المقطع السابق تشير إلى أفعال متتالية بشكل مُمنهج، وكأن ثمة صراع مع البيئة البكر، وتعمد لتفخيخها، لكن ما يبقى للفلاح هو فمه، فهو فلاح فصيح، مرادف للذات الشاعرة، التى بكلماتها وورودها، فالكلمات/ الورود تنبت فى فم الشاعر/ الفلاح، صانعة قرية جديدة مثالية، قرية من كلمات، عوضا عن تلك التى خربتها الصنابير والقطارات والحكومة وأبناء المدن.
الدائرة الثانية التى تحدد أطر التجربة الشعرية، هى دائرة الطفولة، وتمثل التأطير الزمنى لها، فإذا كان المكان الأثير لهذه الذات هو القرية، فإن الزمن الأثير هو زمن الطفولة، الذى يستعيد ملامحه، ويستنبته فى حقل القصيدة، على أطلال واقع الذات، أو بدلا عن هذا الواقع الذى تبدو فيه الذات بوصفها شخصا ناضجا، فيستعيد كل ملامح الطفولة والبراءة، بما فيها ألعاب الطفولة، وذكرياتها، وتصورات الطفل القديم:
ما إن نلعب «عريس وعروسة» سأطلقها بالثلاثة
وسألقى بالحجر الذى تعمله ابنا لها بعيدا..
بالضبط وسط الحجارة
ليختلط بأبناء الأخريات
فالذات بقدر ما هى مقيمة فى القرية مكانيا، فإنها مقيمة فى الطفولة الغابرة زمنيا، مستعيدة حتى ألعاب الطفولة، وضغائنها البسيطة الأولية، التى لا تُقارن بضغائن زمن الكبار، ولا أماكنهم المدينية وحداثتهم. ولا يخلو هذا الطرح الطفولى، من تبريرات لاستعادة ذلك الزمن البعيد، فأزمات الطفولة تُوضع فى مقارنة مع أزمات النضج والكبر، فتبدو تلك القديمة أكثر عقلانية وحنوا، رغم تبددها وتبدد زمنها القديم، يقول:
نحن
من بددنا طفولتنا فى الهرولة
خلف المحاريث
كبرنا
ومازلنا نحرث فى الحياة
لكن دون أن نضع الغلال.
فالتبدد فى الحالتين واحد، والحرث أيضا، لكن ثمة فارقا جوهريا بين الحرث فى زمن الطفولة ومثيله فى زمن النضج، فالأول كان له ثمار، لأنه كان فى دائرة القرية وفضائها المنتج، كان حرثا له معنى، على عكس الحرث فى زمن النضج، وخارج دائرتى الطفولة والقرية، فهو عدمي، غير منتج، ويمثل حالة من اللامعنى، طالما أنه بلا غلال، فلن يطرح ثماره أبدا.
بين هاتين الدائرتين، القرية والطفولة، وفى نقطة التقائهما وتقطاعهما، هناك دائرة ثالثة ومركزية، تجمع هذا الشتات، وتضفى عليه المعنى، إنها الحبيبة، المرأة الأولى، حبيبة فضاء القرية وزمن الطفولة، فهى دائرة بمفردها، وفى الوقت نفسه هى مركز الدائرتين السابقتين، ومن دونها تفقد كل منهما علة وجودها، فهذه الحبيبة الطفولية هى ابنة الطين والحقل وملء الجرار، صديقة الألعاب الطفولية، وتمنح من روحها للطبيعة والبيئة مثلما تأخذ منها، فهى فى حالة تناغم مع تلك العوالم، وتمثيل حى لذلك الزمن وتلك الفضاءات، لذا لم يكن غريبا أن يقول الشاعر فى إحدى قصائده لها «أحبك كبقرة»، ولا يبدو نابيا أن يصفها فى موضع آخر قائلا «الطين وحده يُظهر البريق فى قدميك»، فثمة علاقة طردية بين هذه الحبيبة وبيئتها، فهى ليست ابنة المدينة، أو امرأة جميلة من أى مكان، أو أيا كانت مواصفاتها، بل إنها تأخذ جدارتها من انتسابها للدائرتين السابقتين، مثلما تمنحهما جدارتهما، فهى:
حين تمر
تتبعها الشوارع، والأزقة، والبيوت..
ونخلة ٍ تهرول 
–بساق ٍ وحيدة– 
كى لا يفوتها هذا العطر
فالمكان، القرية، الدائرة الأولى، تابع لهذه الحبيبة، تستقطبه، فهى البوصلة، ومركز الجاذبية، والقطب الموجب للمغناطيس الذى الذى يجذب كل تفاصيل المكان، ويجعلها تدور حوله. وليس فقط الأماكن تتبعها لتنتشى بعطرها، على ما فى هذا المقطع من امتطاء تقنى على الغرائبية، بل إنها أيضا قادرة على أن تضيء الأعماق المظلمة للنهر، بمجرد أن تقترب بكعبها من حجر متصل بمياه النهر، فالحجر هنا، بوصفه جزءا من هذه البيئة الطبيعية وليس نابيا عنها، موصل للإضاءة بين هذه الحبيبة وبين النهر وأعماقه المظلمة:
على حجر جرانيتي
–نصفه غارق فى الماء–
تحك الكعبين
فيضيء قاع النهر.
هذه الحبيبة القروية تصير معيارا مكانيا وزمنيا فى ذاتها، فهى مركز الوجود، والبوصلة التى تحدد الفوارق بين «هنا» و»هناك»، فالوجود يدور بدورانها، وأينما حلت يكون «هنا»، ويختلف كل شيء فيه، تدب فيه الحياة، ويصبح ملاذا، فى حين كل ما هو بعيد عن مركز وجودها يصبح «هناك»، بعيدا ومنبوذا وناء، بل وينفجر من الغيظ من فرط ابتعاده عنها، يقول:
حين تمرين من هنا
كل شيء هنا لا يبقى على حاله
وكل شيءِ هناك ينفجر من الغيظ.
ويبدو تكرار مفردتى «هنا» و»هناك» بهذا الشكل المفرط -فى المقطع التالي- تأكيدا على هذه الدلالات، رغم إنه شعريا كان يمكن تكثيفها، كأن يقول مثلا (حين تمرين/ لا شيء يبقى على حاله/ وكل شيء هناك ينفجر من الغيظ) لكن ثمة إلحاحا على مفردة هنا، لتأكيد دلالة أن وجودها يصنع المكان القريب، ويخلقه من العدم، مؤسسا لهذه الثنائية المكانية.
هذا الوجود المركزى للحبيبة القروية القديمة، يتضاعف فى غيابها، إذ تنهدم ملامح العالم كما يعرفه الشاعر، وتتقوض الدائرتان الأوليان، ففى إحدى قصائد الديوان يتحدث عن تمرد الطبيعة القروية وخراب مفرداتها البيئية، مثل الحمامة التى طارت وتركت عشها ليكون وكرا للثعابين، والدجاجة التى غافلته وماتت، والقط الذى كان ينام بينه وبين حبيبته لكنه هجره، فهذه المفردات كلها تشى بانهدام ذلك العالم، وتسردها الذات الشاعرة ضمن فجائع أخرى حدثت له، وكلها تشير إلى اختلال واضح فى بنية النظام البيئى الذى يحيى داخله، واعتاد على الوجود فيه، ثم يختم القصيدة قائلا: 
سأشكو لها من كل شيء
فقط عليها أن تنفض التراب
وتمزق كفنها..
وتعود إليٍّ
فالعودة المبتغاة، ولو من الموت، ليست مجرد حبيبة اختطفها الموت، لكنها عودة العالم بدوائره الثلاث، التى تقوضت وانحلت أواصرها، والطبيعة ومفرداتها البيئية الأولى التى اختفت وماتت وهُجرت، وتسربت بعيدا، لتترك الذات الشاعرة فى العراء، مع مفردات ربما تكون جديدة مثل الصنابير والقطارات وما يماثلها. فالموت هنا ليس مجرد موت امرأة، بل موت وجود أفل، وعوالم انهدمت، وملاذ فقد شرط وجوده ومركزه.

 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة