يا من كنت صديقى!
الأحد، 21 يونيو 2026 - 11:57 ص
أخبار الأدب
د. أسامة مهران
كان الليل يقترب من نهايته، وأنا أُجرى اتصالاً اعتياديًا مع الأخ والصديق المرحوم سيد العديسي، وكان الهدوء الذى يتسم به الاتصال فى تلك الليلة يؤرقنى شخصيًا ويضيف إلى أرقى أرقًا غامضًا، وحزنًا متجددًا ظننته يقظة ذاكرة، أو فطنة وجدان، أو حالة حب التهب معها القلب والقلم، وأصبحنا سويًا داخل معمعة القيل والقال، والفعل والفاعل.
رد العديسى بسرعته وحنوه المعهود: أهلاً يا دكتور، يا رب تكون بخير، قلت له: أحتاجك بشدة للالتقاء مع أحد الوزراء البحرينيين الذين ينظمون محاضرة حول الخليج العربى فى قاعة الأستاذ محمد حسنين هيكل بنقابة الصحفيين، وهى مناسبة مهمة أن يلتقى الفكر مع القصيدة، والسياسى مع الشاعر.
على الفور استجاب العديسى لاتصالي، ووعد بتجهيز نفسه لليوم التالي، ولكن طلب منى بعض المعلومات، فوعدته بإعدادها وإرسالها له على «الواتس آب»، وبعد ذلك سوف أعاود الاتصال به مثلما هى عادتنا الليلة حتى شروق الصباح، أرسلت له ما كان يسعى إليه، ثم تفرغت لمشاهدة بعد الأخبار فى التلفزيون، تابعت أحد البرامج التى تحلل حالة الحرب التى كنا نعيشها فى الخليج آنذاك، قبل أن تقودنى يداى لالتقاط الهاتف مرة أخرى لأجرى معه الاتصال الموعود بعد صلاة الفجر مباشرة، فتحت الهاتف وبدأت أقرأ الرسالة التى كانت تصلنى دائمًا بعد منتصف الليل وأهمها الصحف البحرينية اليومية، ثم دخلت إلى «الفيسبوك» لأقرأ آخر «البوستات»، فإذا بعيناى تصطدمان بهذا الخبر الفاجعة: «الشاعر سيد العديسى فى ذمة الله».
ظننت الخبر مكيدة أو مقلبًا أو شائعة مغرضة ممن ماتت ضمائرهم، ولكن تكرر الخبر، وتوالت الصيحات من الأصدقاء والأقارب حتى جاء النعى الشاهد على مصابنا الكبير من شقيقه زميلنا وصديقنا العزيز إيهاب مصطفى الصحافى فى جريدة الدستور.
تركت كل ما كان بيدي، وأغلقت التلفزيون، واتصلت فورًا بالعزيز إيهاب فإذا به يؤكد الخبر الحزين، وإذا بى تمنعنى دموعى من استكمال المحادثة، لأدخل فى حالة ذهول، وعدم يقين، حيث لم تبرد كلماته فى أذنى وهو يسأل عن كل شاردة وواردة تخصني، وأنا أسأله بالمثل للاطمئنان.
لم أتصور أن لحظات قد تفصل بين الحياة والموت، بين اللقاء والوداع، بين «صباح الخير تقريبًا» أو «كيف حالك جدًا»، وأنا مزارع فاشل فلا تتبعوني. كان كل شيء فى حياة سيد العديسى «كيف حالك جدًا»، وكل صباح مؤكد لديه بـ»صباح الخير تقريبًا»، نعم .. إنها إحدى لزمات سيد العديسى الشعرية، عدم التأكد من كل شيء وأى شيء، وعدم اليقين من أن كل ما نراه لم يكن مثلما يبدو، وأن كل ما رأيناه لن يبدو مثلما كان، هكذا كانت النسبية الشعرية لدى سيد العديسي، وهكذا أصبحت النظرية لديه حالة عينية بين الشك واليقين، بين الوداع والوداع، ثم بين الأمل والرجاء.
تركنى سيد ولم يترك ليلى الطويل، قاطعنى ولم أقاطعه، فمازلت أنتظر «رنات» هاتفه بعد منتصف ليل كل مساء، ومازلت على وعد بأن أشكو له معاناتى مع الخوف بأن أفارق الحياة وحدى وأنا أعيش بين جدران لا تتحاور معى إلا بلغة الصمت، ومازلت على وعدى بأننى عندما «أنزل» إلى الكنانة محملاً بالأشواق سوف تكون أول زيارة لى فى المحروسة - هى بيته على ترعة المريوطية.
سيد العديسى الشاعر والصحفى والإنسان شيء، والصديق شيء آخر، كان يرافقنى فى جولاتى النادرة بالقاهرة عند زياراتى المحدودة لها، وكان دائم التحدث معى عما كان يطلق عليه باستمرار «هناك فرصة أخرى»، لا تستسلم يا صديقى للفرصة التى كانت متاحة ولكن جنون اللحظة اختطفها منك.
كان يقول لى أشياء كثيرة، عن الجنوب والشمال، وكيف أن عاداتنا وتقاليدنا لا تتقاطع مع بعضها البعض، كان يواسينى وأنا أكاد أموت من الخوف على من أحب، وكان يطارحنى الاحتمالات وأنا أستجيب لنظريته النسبية قائلاً: خمسة شياطين أقل خطورة دائمًا من بنى آدم واحد. لكن لماذا هذه الأرقام، ولماذا كان العديسى الشاعر مغرم بالرياضيات والتقريب بين المذاهب الرقمية؟
السؤال مطروح ومجروح، ولكن الإجابة عليه قد يكون لها ما يبررها، فأنا مازلت داخل سرادق العزاء، أتلقى «البقية فى حياتك .. تقريبًا»، أو «البقاء لله .. جدًا».