الفلكلور الشعبى .. حكاية مصر يرويها فرسان الربابة و الموال
الأحد، 21 يونيو 2026 - 12:01 م
عمر السيد
في زمن تتسارع فيه أشكال الموسيقى الحديثة، وتتغير أذواق الجمهور بوتيرة غير مسبوقة، يظل الفلكلور الشعبي المصري شاهدًا حيًا على حكاية وطن بأكمله، وواحدًا من أهم الكنوز والمرجعيات الثقافية التي حفظت وجدان المصريين وسجلت تفاصيل حياتهم اليومية عبر أجيال متعاقبة.
عن البطولة والكفاح والحب والهجر انتشرت مئات الأشعار والأعمال لنجوم عظام وعمالقة كبار حملوا راية الفلكلور الشعبي في مختلف ربوع مصر، واستطاعوا بصدق وبلاغة التعبير عن الإنسان البسيط بلغته اليومية ومفرداته المحلية، بعيدا عن التكلف والتصنع.
إلى جانب الثراء والتنوع اللذين يضمهما الفلكلور الشعبي المصري في ألوانه بين السيرة الشعبية والموال، نجده أيضًا يتميز بثرائه الموسيقي وتنوع إيقاعاته وألحانه. ولأن خصوصيته تكمن في ارتباطه الوثيق بالبيئة التي نشأ فيها، نجد أن خريطة الفلكلور الشعبي المصري تنقسم إلى جزأين، أو بالأحرى مدرستين بارزتين، لكل منهما نجومها وموضوعاتها المحببة.
الأولى تتمثل في مدرسة الصعيد، التي ارتكزت في إسهامها على موضوعات مثل السير الشعبية والمواويل الطويلة على أنغام الربابة، وبرزت فيها موضوعات بعينها كالبطولة والشهامة والكرم والثأر والحكمة الشعبية، بينما اتسم الأداء بالقوة والامتداد الصوتي والقدرة على الارتجال.
أما المدرسة الثانية فتمثلت في الوجه البحري، التي ارتكزت موضوعاتها على كل ما يخص البيئة والحياة الزراعية ومواسم الحصاد والأفراح الريفية، واتسمت بخفة الإيقاع وبساطة التعبير وقربها من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المصري.
ورغم اختلاف البيئتين، فإن المدرستين التقتا في هدف واحد، هو مخاطبة الوجدان الشعبي المصري، ونقل التراث الشفهي والخصائص البيئية والاجتماعية لكل منهما إلى الأجيال المتعاقبة. وبمرور الوقت، وفي ظل ازدهار هذا اللون على مر السنين واتساع الحاضنة الشعبية والجماهيرية له، بات لكل من المدرستين نجوم ورموز كانت أعمالهم وتجاربهم جزءا من الهوية والموروث الثقافي الشعبي، ولا تزال أصواتهم حاضرة في وجدان الجماهير، وخاصة بين أبناء الريف والصعيد.
الريس حفنى .. صوت الصعيد
الذى عبر حدود الجنوب
يُعد الريس حفني أحمد حسن أحد أهم أعمدة الغناء الشعبي الصعيدي في القرن العشرين، وأحد الفنانين الذين نجحوا في نقل الأغنية الصعيدية من ساحات الأفراح والموالد إلى الإذاعة المصرية وشاشات التليفزيون.
نشأ الريس حفني في بيئة ريفية بصعيد مصر، حيث كان الموال والسير الشعبية جزءا أصيلًا من الحياة اليومية، ومنذ سنواته الأولى أبدى شغفًا بالغناء الشعبي، فحفظ المواويل والسير التراثية التي كانت تتردد في المناسبات الشعبية.
واستطاع حفني أن يطور أسلوبًا خاصًا جمع بين أصالة الأداء الصعيدي وقوة الحضور، فتميز بصوت عميق قادر على التعبير عن الشجن والحنين والحكمة الشعبية. وبرع في تقديم السير الشعبية، وأشهرها قصة “شفيقة ومتولي” التي ارتبطت باسمه، وأصبحت واحدة من أشهر الأعمال الشعبية التي عرفها الجمهور المصري.
ومع ظهور الإذاعة المصرية وجد الريس حفني فرصة للوصول إلى جمهور أكبر، فأصبحت تسجيلاته جزءا من ذاكرة المستمعين، وساهم في تعريف أجيال جديدة بالغناء الصعيدي الأصيل.
وتكمن أهمية الريس حفني في أنه حافظ على روح التراث دون أن يجمده، فقدم الفلكلور الشعبي بصورة تحترم جذوره وتسمح له بالانتشار في العصر الحديث، ليبقى واحدا من أبرز الأصوات التي شكلت الهوية الغنائية للصعيد.
محمد طه .. رائد فن الموال الشعبى
عرف الفنان محمد طه بـ”رائد فن الموال الشعبي” في مصر والعالم العربي، وأيقونة الغناء الارتجالي، كما لقب بألقاب عديدة منها “مطرب الـ10 آلاف موال”، واشتهر بقدرته الفريدة على تأليف وتلحين مواويله في اللحظة نفسها دون إعداد مسبق، تاركا إرثا غنائيا يعبر عن روح الشارع المصري.
ولد في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج عام 1922، وبدأت موهبته في الظهور أثناء عمله في مصانع النسيج بشبرا. وبدأت انطلاقته بعد اكتشاف الزجال مصطفى مرسي لموهبته، ثم تبناه الكاتب الكبير زكريا الحجاوي وقدمه للإذاعة المصرية، حيث لمع نجمه بفضل صوته القوي وأدائه العفوي.
تميز بأسلوب فني يعتمد على قدرة استثنائية على الارتجال، حيث كان يرتجل المواويل في الحفلات والمناسبات، حتى وصفته الصحافة بأنه “موسوعة شعبية متنقلة”.
قدم طه خلال مسيرته ما يقارب 10 آلاف موال، ولحن وألف معظمها، ومن أشهر مواويله: “مصر جميلة” و”يا اللي زرعت الحب”.
كما وصلت نجاحاته وشهرته إلى السينما، حيث شارك في نحو 40 فيلمًا سينمائيًا، ومن أبرز مشاركاته فيلم “دعاء الكروان”، إذ شارك فيه بالغناء والتمثيل، وكذلك فيلم “حسن ونعيمة”.
جابر أبو حسين .. راوى الملاحم
يعد جابر أبو حسين أحد أعظم رواة السير الشعبية، وتحديدا السيرة الهلالية، في صعيد مصر على الإطلاق.
ولد أبو حسين عام 1913 بمركز أخميم بمحافظة سوهاج، وامتلك ذاكرة استثنائية مكنته من حفظ آلاف الأبيات الشعرية التي تتكون منها السيرة الهلالية، وهي الملحمة التي تمثل أحد أهم مكونات التراث العربي الشفهي بصعيد مصر.
وعرفه الجمهور بصوته القوي وأسلوبه المميز في السرد والغناء، حيث كان قادرا على الانتقال بين شخصيات السيرة وأحداثها بسلاسة كبيرة، ما منح أداءه طابعا دراميا فريدا.
ولذا شكلت مشاركاته الإذاعية والتوثيقية مصدرا مهما للباحثين والدارسين الذين سعوا إلى تسجيل السيرة الهلالية وحمايتها من الضياع.
فلم تكن قيمة جابر أبو حسين الفنية قاصرة على مجرد كونه فنانًا شعبيًا، بل تجاوزت ذلك إلى حد وصفه بأنه أحد أهم حراس الذاكرة الثقافية المصرية في القرن العشرين.
سيد الضوى .. آخر الرواة
وكما تميز جابر أبو حسين باهتمامه برواية السيرة، كان لسيد الضوي أيضًا اهتمام خاص بها. فقد تعلق بالسيرة الهلالية منذ أن كان عمره 10 سنوات، بعد أن تعلم روايتها عن أبيه الضوي وجده.
ولد الفنان سيد الضوي عام 1933 بمدينة قوص بمحافظة قنا، وبدأ في إلقاء السيرة وهو في العشرين من عمره، حيث تميز بأسلوبه الفريد والممتع في السرد.
ويعد أبرز رواد السيرة الهلالية في مصر وأهمهم بعد الراحل الكبير جابر أبو حسين، كما يعد آخر رواة السيرة الهلالية في مصر، وهي من أهم السير العربية وأقربها إلى ذاكرة الجمهور.
بالإضافة إلى ذلك، كان رفيق الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي، وساعده في جمع السيرة الهلالية وتوثيقها.
كانت السيرة عند سيد الضوي ليست مجرد ملحمة بطولية، بل ديوان العرب الذي يستخلص منه الناس العبر والدروس. وقد قدمها مع الأبنودي في تونس وباريس ولندن وألمانيا، كما غناها في الأفراح بقنا وأسوان وسوهاج.
على الجانب الآخر، كان لمدرسة الغناء الشعبي بالوجه البحري رموز ونجوم ذاع صيتهم في عالم الغناء الشعبي، وصاغوا لونًا خاص بهم.
العربى فرحان البلبيسى ..
شاعر الدلتا و مطربها
يمثل العربي فرحان البلبيسي واحدًا من أبرز الأصوات التي خرجت من قلب الريف المصري لتعبر عن وجدان الفلاحين وأحلامهم، إذ ارتبط اسمه بالأغنية الريفية التي تناولت الحياة الزراعية والعلاقات الاجتماعية والأعراف السائدة داخل القرية المصرية. وتميزت أعماله بلغتها البسيطة القريبة من الناس، وبقدرتها على تصوير تفاصيل الحياة اليومية بدقة وصدق.
ولد العربي فرحان بقرية العدلية بمركز بلبيس، وحفظ القرآن الكريم مبكرًا. ذاع صيته في منتصف السبعينيات، وكانت أولى قصائده عام 1982 بعنوان: “قصدت بابك وغير بابك ما قصدتش”، وسرعان ما انتشرت وحققت رواجًا كبيرًا، خاصة في محافظات الوجه البحري والصعيد. وبعدها توالت القصائد، منها “الصبر” و”أول ما نطق اللسان” و”رحلة الحج”، وشارك في مئات الحفلات والمناسبات الدينية، كما دعي لإحياء حفلات في العديد من الدول العربية.
نجح البلبيسي في أن يكون صوتًا حقيقيًا للريف المصري، وأن يحافظ على خصوصية الأغنية الريفية في مواجهة موجات الحداثة التي هبت رياحها مع القرن العشرين. ولذلك ظل اسمه حاضرًا بين أهم ممثلي مدرسة الوجه البحري في الفلكلور الشعبي المصري.
جمالات شيحة .. قيثارة الفلكلور الشعبى
تعد جمالات شيحة واحدة من الأصوات النسائية التي اخترقت مجال الفلكلور الشعبي في سن مبكرة، حيث ولدت في قرية كوم حلين بمحافظة الشرقية عام 1933. وعرفت في طفولتها بموهبتها، فبدأت الغناء في الأفراح والموالد، حتى التقت بالفنان زكريا الحجاوي، الذي طاف مصر كلها بحثا عن أصوات شعبية مؤثرة، وأقنعها بالسفر إلى القاهرة، حيث انضمت إلى فرقة “الفلاحين للغناء الشعبي” عام 1961.
عرف المصريون من أغاني جمالات شيحة أغنيات مثل: “على ورق الفل دلعني”، و”يا حلو غيرت رأيك فينا”، و”أنا رايحة الحسين”، و”اتدلع يا حلو”، و”على بلد المحبوب”، وغيرها من الأغنيات التي ذاع صيتها في أنحاء مصر، ووصلت إلى عدد من الدول العربية. كما سافرت الفرقة إلى الخارج لتغني في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية.
وفي أواخر التسعينيات وبداية الألفينيات، التقت بمؤسس فرقة شرقيات الموسيقار فتحي سلامة، الذي لحن لها - في مزج بين الموسيقى الغربية والشرقية - عددا من الأغنيات، مثل “رسيني يا ساقية عذاب”، و”وياما دقت على الرأس طبول”، وغيرها. وأقامت جمالات شيحة مع فتحي سلامة 33 حفلًا في الولايات المتحدة واليابان وغيرها من دول العالم.
محمد الصغير .. نجم المسرح السكندرى
ولد محمد الصغير عام 1917 بحي اللبان بمحافظة الإسكندرية، وهو أحد أشهر نجوم الفلكلور الشعبي بالمحافظة. ارتبط اسمه بشكل وثيق ببدايات المسرح الغنائي والشعبي في الإسكندرية. وبدأ مسيرته الفنية كمطرب شعبي ومونولوجست يقدم الأغاني الخفيفة والمقاطع الكوميدية الناقدة في كازينوهات ومسارح الإسكندرية.
تزوج من الفنانة الشهيرة نعيمة الصغير، ونظرا لشهرته الكبيرة في ذلك الوقت اكتسبت لقبها “الصغير” من اسمه. وعمل معها في فرقتي إبراهيم حمودة وإسماعيل يس، وقدم الموال والطقاطيق الشعبية القديمة قبل أن يتجه هو وزوجته إلى السينما والعمل المسرحي.
ينتمي محمد الصغير إلى جيل الفنانين الذين ارتبطت تجربتهم الفنية بالطبقة الشعبية، حيث استلهم موضوعاته من قلب الشارع ومشكلاته، وقدم أغنيات اتسمت بالبساطة والصدق والعفوية. وساهم من خلال أعماله في الحفاظ على كثير من الألحان والقوالب الغنائية التقليدية التي أعاد تقديمها بعد أن كانت مهددة بالتراجع. وقد اكتسب مكانة خاصة لدى جمهور الريف والدلتا، الذي وجد في أغنياته انعكاسا حقيقيا لواقعه الاجتماعي والثقافي.
خضرة محمد خضر..
صوت المرأة الذى حفظ التراث
تعد خضرة محمد خضر إحدى أشهر الأصوات النسائية التي برزت في مجال الفن الشعبي المصري، وواحدة من أهم المطربات الشعبيات في تاريخ الفلكلور المصري.
ولدت خضرة عام 1918 بقرية كوم حمادة بمحافظة البحيرة. اكتشفها زكريا الحجاوي، جامع التراث الموسيقي، وتزوجها عام 1961، لكنه انفصل عنها عام 1963. واشتهرت خضرة بقصة “أيوب وناعسة” التي غنتها مع الفنانة فاطمة عيد من تأليف زكريا الحجاوي. ومن أشهر أعمالها: “متى أشوفك يا قلبي أطمن”، و”يا مسعد يا اللي تصلي على النبي”، و”الصبر طيب”.
جاءت خضرة من بيئة شعبية خالصة، وهو ما انعكس على طبيعة أعمالها التي حملت روح الريف المصري بكل تفاصيله. وتميزت بصوت قوي وحضور فني لافت، مكنها من تقديم عدد كبير من الأغنيات التراثية التي أصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية. ولعبت خضرة دورا مهما في تعريف الجمهور الحضري بالفنون الشعبية الريفية، وشاركت في العديد من المبادرات الفنية التي هدفت إلى الحفاظ على التراث الشعبي المصري، ولذا تبقى تجربتها واحدة من أهم التجارب النسائية في تاريخ الفلكلور المصري.
فاطمة عيد .. حلقة الوصل
بين الأصالة و التجديد
تعد فاطمة عيد إحدى أهم الأصوات النسائية التي برزت في مجال الفن الشعبي، كما كانت تجربتها مثالا حيا للتطور، إذ مثلت مرحلة مهمة في تطور الأغنية الشعبية المصرية، بعدما نجحت في أن تكون امتدادا للتراث، وفي الوقت نفسه جسرا يربطه بالأجيال الجديدة.
فمنذ بداياتها الفنية راهنت على الأغنية الريفية الأصيلة، وحرصت على الحفاظ على اللهجة الشعبية والمفردات التراثية التي تميز هذا اللون الغنائي، مع استخدام إيقاعات أكثر مرونة وحداثة، لذا حققت أغنياتها انتشارًا واسعًا داخل مصر وخارجها، إلى أن أصبحت واحدة من أشهر الوجوه المرتبطة بالفلكلور الشعبي المصري خلال العقود الأخيرة.
وتكمن أهمية تجربتها في أنها أثبتت أن التراث ليس مادة للماضي فقط، بل يمكن أن يكون فنًا حيًا قادرًا على التواصل مع الجمهور المعاصر إذا قدم برؤية تحترم الأصالة وتستوعب متغيرات العصر.
اقرأ أيضا: أطفال يقدمون عروضًا من الفلكلور الشعبي أمام رئيس الوزراء بالأقصر