محمود التميمي بعد نبض «ماسبيرو»: سر الخلطة فى «الروح» وليس فى الإمكانيات
الأحد، 21 يونيو 2026 - 01:40 م
رضوى خليل
من معامل كلية الزراعة، حيث كان يقضي وقته متأملًا في “شريحة مجهرية” تبحث في أسرار الحياة، إلى أروقة “ماسبيرو” العريق، حيث يصنع اليوم حياة جديدة لبرامجنا التلفزيونية، الإعلامي محمود التميمي، صاحب المبادرة الثقافية الأهم “أرواح في المدينة”، والذي عاد مؤخرًا ليتولى رئاسة تحرير برنامج “من ماسبيرو”، ليقدم درسًا في كيفية استعادة بريق الشاشة الوطنية بالروح الصادقة قبل الإمكانيات المادية.
في هذا الحوار مع “أخبار النجوم”، نفتح مع التميمي خزينة ذكرياته المهنية، ونكشف كواليس النجاح السريع لبرنامج “من ماسبيرو”.
الكثيرون تحدثوا عن نجاح الحلقات الأولى من “من ماسبيرو”، لكننا نريد أن نعرف ماذا حدث في كواليس الإعداد التي لا يراها المشاهد؟
كنا نبحث عن افتتاح مميز للبرنامج في موعد يحمل دلالة خاصة، فقررنا أن يكون في “عيد الإعلاميين”؛ لأن ماسبيرو هو امتداد للإذاعة المصرية التي افتتحت في 31 مايو عام 1934، واتُّخذ هذا التاريخ عيدًا للإعلاميين. ونظرًا لكونه عيدًا للإعلاميين، كان من الطبيعي أن نستضيف أصواتًا مختلفة من الإعلام المصري لتقديم نجوم هذا البرنامج، وهو ما ذكرنا ببرنامج “البيت بيتك” الذي قدمته الراحلة ليلى رستم، حيث كانت تقدم مذيعي البرنامج.
وبالتأكيد لا يوجد أحد بحجم ليلى رستم وتاريخها العريق، لذا كان لا بد من التفكير بصيغ مختلفة بعيدًا عن التقليد؛ ففكرنا في تقديم جيل جديد نسبيًا، مثل رامي رضوان ومريم أمين وأحمد سمير وجومانا ماهر، مقارنة بجيل الأساتذة سناء منصور وأسامة كمال ومحمود سعد وهالة أبو علم.
كيف جاء اختيار تقديم الجيل القديم من المذيعين للجيل الجديد؟
منذ اللحظة الأولى كنت حاسمًا في اختياراتي؛ الإعلامي محمود سعد يقدم رامي رضوان، لأن سعد كان يقدم “البيت بيتك”، وكأنه في برنامج “من ماسبيرو” يدعو الجمهور للثقة في المنتج الإعلامي. والقديرة سناء منصور تقدم مريم أمين لأنها عملت معها في الفضائية المصرية وتعتبرها ابنتها، وهناك علاقة إنسانية تجعلها سعيدة بنجاحها، مما خلق حالة حميمية على الشاشة.
أما الأستاذ أسامة كمال فهو رمز لمبنى ماسبيرو في الأجيال الأخيرة، وأحمد سمير عاد إلى بيته الأول بعد تجربته في قناة الأهلي. والقديرة هالة أبو علم كانت متألقة دائمًا في عالم الأخبار، وقدمت جومانا ماهر لأنها من مدرسة الأخبار. والجميع لم يرفضوا ولم يترددوا للحظة، وقالوا: “تحت أمر ماسبيرو”. بالإضافة إلى الصداقة الشخصية التي تجمعنا؛ فكل شيء جاء من أجل الحب، وما دفعنا لإنتاج هذه الحلقة هو حب الضيوف الذين شاركوا فيها.
العمل في ماسبيرو يمثل تحديًا في ظل المنافسة الشرسة مع القنوات الخاصة. ما أكبر فجوة وجدتها بين ما يحتاجه المشاهد اليوم وما كان يقدمه التليفزيون؟ وكيف نجحت في سد هذه الفجوة في الحلقات الأولى؟
العمل في ماسبيرو ليس كما يتخيل الناس بوجود فجوة مع القطاع الخاص؛ فقد تمت عمليات تطوير كبيرة في الفترات الأخيرة، آخرها التطوير الذي قادته “الشركة المتحدة”، وهو تطوير محترم يليق بمؤسسة عريقة، تركت وراءها استوديوهات مجهزة على أحدث الطرز وفريق عمل محترف.
عندما استدعاني الأستاذ أحمد المسلماني وعدت إلى ماسبيرو، وجدت بنية تحتية قوية في استوديو 10، ووجدت الأستاذة منال الدفتار، رئيس القناة الأولى، ومعها فريقًا هائلًا قادرًا على المنافسة، وكان ينقصهم - في تقديري - “الروح”، وهذا ما عملت عليه؛ روح أننا قادرون على منافسة أحدث الأنماط الإعلامية إذا بنينا البرنامج بشكل صحيح.
بالنسبة لي كان هذا تحديًا كبيرًا ومحسومًا؛ فتجاربي في بناء البرامج الكبرى سمحت لي بوضع نظام منذ اللحظة الأولى يتسم بالصرامة في الوصول إلى الأهداف وضبط معايير الجودة، وهي الصرامة التي سمحت لنا بتقديم منتج ينافس أرقى البرامج في العالم العربي منذ اليوم الأول.
ما “الخلطة السرية” التي راهنت عليها في برنامج “من ماسبيرو” لإعادة جذب المشاهد المصري إلى شاشة ماسبيرو الأم؟
الخلطة السرية تكمن في أنني منذ أربع سنوات أقدم مشروعًا ثقافيًا اسمه “أرواح في المدينة”، وهذا المشروع، عبر لقاءاته الشهرية، جعلني أتعمق أكثر في العمل الفكري. لقد جعلت خبرتي في الإعلام تخدم العمل الثقافي، وعندما عدت الآن إلى عالم البرامج بناء على طلب الأستاذ أحمد المسلماني، وجدت أن هذا العمل الفكري قد خدم الإعلام أيضًا.
لقد ربطت المضمون والرسالة بالأفكار، وليس فقط بالحدث أو “التريند” أو المناقشة الساخنة؛ فرصانتنا في توصيل الفكرة هي رهاننا. أنا أؤمن بأن البرنامج الناجح ليس فقط إنتاجًا ضخمًا أو نجومًا كبارًا، بل هو برنامج يمتلك “روحًا صادقة”.
وبالطبع، فإن الاحترافية والمتابعة اللحظية للحدث والسبق الصحفي وتمثيل جميع طوائف المجتمع هي الأساس، ولا أعتبرها جزءًا من الخلطة، بل هي “ألف باء” المهنة، لكن “الروح” هي الجانب الرئيسي الذي يضمن لنا المصداقية والعبور إلى قلوب المواطنين بسهولة ويسر.
البرنامج الناجح هو روح فريق. كيف تختار “مطبخك” الإعلامي في ماسبيرو؟
سؤال مهم جدًا. الحقيقة أنني لم أعتمد على أصحاب الخبرة التقليدية في “التوك شو” بمصر؛ لأنهم أصبحوا ملتزمين بآليات عمل قد لا تناسبني. أفضل أصحاب الأفكار على أصحاب المصادر، والدليل هو فكرة الحلقة الأولى: جيل يسلم جيلًا، ثم جيل يحاور جيلًا. هذه الفكرة أهم من الضيوف.
كذلك اختيار آلة الهارب للافتتاح؛ فهي آلة مصرية صميمة يعود عمرها إلى ستة آلاف سنة. وأكشف لكم سرًا: كنا ننوي افتتاح البرنامج بمقطوعة للموسيقار عمر خيرت، لكن في ذلك اليوم، وأنا داخل الاستوديو، رن في أذني السلام الوطني، وعندما فكرت وجدت أن السلام الوطني عندما يعزف على آلة الهارب يكون أرقى بكثير للمستمع. وأشكر العازفة منال محيي الدين لأنها قدمت لنا صورة مشرفة وعزفًا يليق بالتليفزيون المصري.
هل تراهن على المحتوى الجيد أم على نجومية المذيعين؟
حتماً أراهن على المحتوى الجيد ثم النجومية. النجومية بلا محتوى جيد هي رصيد يتآكل ونزيف في المصداقية ومحبة الجمهور؛ فأي نجم مهما كان حجم نجوميته، إذا لم يقدم محتوى جيدًا، سيفقد نجوميته بعد فترة. المحتوى الجيد هو الذي يحافظ على النجومية، بل أحيانًا يصنعها من البداية.
ما طموحاتك المستقبلية لبرنامج “من ماسبيرو”؟
لقد تحقق بعضها في الأسبوع الأول؛ كنت أطمح أن يكون للبرنامج تأثير على الساحة المصرية، وقد تحقق بفضل المقدمة العظيمة والروح الهائلة التي وصل بها الجيل الجديد إلى الجيل القديم، ثم ختام الأسبوع بمكالمة الفنانة شريهان مع مريم أمين، التي حولت مجرى المشاهدة إلى ماسبيرو. كانت مداخلة مهمة عبرت فيها عن سعادتها ببرنامج يعيد رونق هذا المبنى.
كل العاملين في ماسبيرو يحاولون، ولكننا الآن نحاول من منطلق مختلف وبإمكانيات بسيطة، ولكن بروح مليئة بالإصرار على النجاح، دون الالتفات إلى المشكلات اليومية التي قد تعطل العمل. نحن قفزنا على المشكلات وتعاملنا بمنطق الاحتياجات الحقيقية لنقدم إعلامًا محترمًا.
تخرجت في كلية الزراعة عام 2000، ثم اتجهت إلى الإعلام. هل ترى أن دراستك للعلوم الزراعية منحتك نظرة دقيقة أو ممنهجة في تحليل البرامج؟
أنا حاصل على بكالوريوس العلوم الزراعية، وقد أخذت مني دراسة الزراعة أكثر من أربع سنوات لأنني كنت مشغولًا بالعمل في الصحافة منذ السنة الثانية. استفدت من الحالة العلمية التي تعلمتها في الكلية؛ التحليل والتعامل بدقة مع الأشياء.
كنا ننظر تحت الميكروسكوب لنرى شريحة نسيج النبات بكل تفاصيلها التي لا ترى بالعين المجردة، ونرى الكائنات الدقيقة داخلها، فكنا نرى خلق الله العظيم وقوة الحياة وانضباطها.
تعلمت الكثير من الزراعة؛ فهناك الهندسة الزراعية، وصحة الحيوان، وهي قريبة من الطب البيطري، والاقتصاد الزراعي، وهو قريب من الاقتصاد والعلوم السياسية، والكيمياء الزراعية، والصناعات الغذائية، وكلها علوم متصلة بصناعة الحياة.
أهم ما تعلمته هو التأمل؛ فالزراعة هي تأمل في حياة النبات ودورة حياته، وهذا التأمل يجعل الإنسان يتصف ببعض صفات الحكمة.
ما أول خطوة حقيقية وضعت قدمك على طريق العمل الإعلامي؟
التدريب في جريدة “الأهالي” عام 1997 وأنا في السنة الثانية بالكلية، ثم “العربي” و”الأسبوع”، حتى وضعت قدمي لأول مرة في التليفزيون مع تجربة “البيت بيتك” عام 2004، ومنذ ذلك الحين تفرغت تمامًا للصحافة التليفزيونية.
من الشخصيات التي أثرت في تكوينك المهني والفكري؟
عن بعد: محمد حسنين هيكل، ونجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ومحمود عوض.
وعن قرب: الأستاذ محمد هاني، والأستاذ خالد محمود، أول من تعهدني وأنا صحفي متدرب، والإعلامي محمود سعد، والإعلامية منى الشاذلي.
لو طلبت منك كتابة مانشيت لمسيرتك المهنية حتى الآن، فما العنوان؟
رجل احترم نفسه ليحترمه الناس.
اقرأ أيضا: مفيدة شيحة تكشف فلسفتها في الإنفاق: أفضّل الشراء النقدي وأبتعد عن التقسيط