حرب استنزاف التصريحات!
الأحد، 21 يونيو 2026 - 08:10 م
كرم جبر
السؤال حول ما إذا كانت أمريكا قد انتصرت فعلا على إيران يبدو بسيطا، لكنه يفتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعة الصراع، فلو كانت الإجابة محسومة بانتصار أمريكى حاسم، لما استمرت إيران فى نهجها القائم على العناد والمماطلة والتسويف، ولما انتقل الصراع من الطائرات والصواريخ ،إلى المفاوضات المؤجلة والرسائل المتبادلة عبر الوسطاء.
تكمن المعضلة فى صعوبة بناء رؤية واقعية لما يحدث، اعتمادا على تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أو المسؤولين الإيرانيين، فكلاهما يتعامل مع التصريحات باعتبارها جزءا من المعركة، لا وسيلة لشرح الحقيقة، ترامب يتحدث باستمرار عن نجاح الضغوط الأمريكية، بينما يحرص المسؤولون الإيرانيون على إظهار الصمود والثبات وعدم الخضوع للإملاءات الأمريكية، وبين الروايتين تضيع حقائق كثيرة لا تظهر إلا من خلال قراءة النتائج الفعلية على الأرض، لا الكلمات المتبادلة أمام وسائل الإعلام.
وما يبدو مؤكدا أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل الصراع، فقد انهارت تصورات كثيرة حول طبيعة التوازنات الإقليمية، وظهرت معادلات جديدة فرضتها المواجهة، ومن أبرزها أن إيران نجحت فى تحويل الصبر والمراوغة السياسية إلى أدوات قوة، فى مقابل إدارة أمريكية باتت تميل إلى الضغوط الإعلامية والتصريحات السياسية، بدلا من المواجهات العسكرية الواسعة والمكلفة، وهنا لا يعود السؤال متعلقا بمن انتصر عسكريا، بل بمن استطاع فرض إيقاعه على المرحلة التالية من الصراع.
كما أن دول الخليج التى وجدت نفسها فى قلب التوتر بين واشنطن وطهران، أعادت النظر فى كثير من حساباتها، فبعد أن عاشت أجواء التهديدات والتصعيد، برز اتجاه متزايد نحو البحث عن الاستقرار وتغليب مفهوم «الجوار الآمن».
وفى المقابل، تبدو الرهانات الأمريكية على أن تؤدى العقوبات الاقتصادية والضغوط القصوى إلى تغيير جذرى داخل إيران عديمى الجدوى ،فالنظام الإيرانى لم يسقط، والمجتمع الإيرانى لم يشهد التحول السياسى الذى راهنت واشنطن، كما أن طهران ما زالت تتعامل مع ملف التفاوض وفق شروطها الزمنية ، فتؤجل وتناور وتنتظر اللحظة التى ترى أنها أكثر ملاءمة لمصالحها.
لا ينبغى المبالغة فى تقدير الموقف الإيرانى، بوصفه الطرف الأقوى، ولا يصح التهويل بتحقيق انتصار أمريكى كامل، فالحقيقة أن كلا الطرفين دفع ثمنا باهظا، وانتهى بهما المطاف إلى الفشل فى تحقيق أهدافهما الرئيسية.
أفضى الصراع إلى ما يمكن تسميته بـ «التوازن القلق» أو «الهدوء الحذر»، وغابت ملامح النصر المطلق أو الهزيمة الحاسمة، وبات من شبه المؤكد أن خيار اندلاع حرب مفتوحة جديدة أصبح مستبعدا، ليس رغبة فى سلام دائم أو مصالحة جذرية، بل إدراكاً لفداحة التكلفة التى تتكبدها جميع الأطراف، والتى تجاوزت قدرتهم على تحملها.
انتهت مرحلة الحسم العسكرى، وبدأت مرحلة «التعايش مع الصراع»، وأصبحت المماطلة السياسية والمفاوضات فى الغرف المغلقة، أدوات اشتباك لا تقل تأثيرا عن الصواريخ والطائرات .