بناء المدينة يبدأ ببناء الإنسان

الشيخة د. شما محمد خالد آل نهيان

الأحد، 21 يونيو 2026 - 08:12 م

الأخبار

التنمية الحقيقية تبدأ من الداخل من عمق الإنسان وضميره، وإن كان العمران يمنح الدولة قوتها الظاهرة، فإن الثقافة تمنحها الاستمرارية والحصانة. تتسابق الدول فى بناء الأبراج الممتدة إلى السماء وبناء الطرق والمطارات الحديثة وإنشاء البنى التحتية التى تقوم عليها المدن الحديثة، ويقيس البعض تطور الدول من خلال تلك المدن اللامعة، غير أن هذا العمران، وتلك الحداثة المعمارية على أهميتها تظل جسدا بلا روح إن لم يتزامن معها بناء لوعى الإنسان المقيم فيها والقائم على تشغيلها. إن الخطأ الأكبر الذى يقع فيه الفكر التنموى المعاصر أن يختزل مفهوم الثقافة وحصرها فى زوايا ضيقة من رؤية قاصرة تراها كنشاط هامشى أو كما قد يسميه البعض ترفا فكريا يمكن أن يرجأ إلى مراحل متأخرة من خطط التنمية وأيضا يخطئ الكثيرون حين ينظرون إليه على أنه مجرد أمسية شعرية أو معرض للكتاب أو فيلم سينمائى وما شابه ذلك من تصورات سطحية للثقافة، والذى يحول الثقافة إلى مجرد زينة خارجية تكمل الديكور التنموي، وتجمل صورة المجتمع دون التفات للتغير فى جوهره. الحقيقة التى يجب أن نقف عندها كثيرا، أن الثقافة ليست ما نفعله بعد أن ننتهى من بناء الدولة، بل هى ما نبنى عليه، وما يجعل بناء الدولة الحديثة شيئا ممكنا وقابلا للاستدامة. إنها العمق الإنسانى الذى يمنح العمران معناه وقيمته. الثقافة كبنية تحتية غير مرئية حين نستمع إلى أحدهم يتحدث عن البنية التحتية، فإن انتباهنا ينصرف إلى شبكات المياه، ومحطات الطاقة، والاتصالات، وغيرها. دون إدراك أن هذه هى البنية التحتية المرئية. لكن يبقى هناك جزء آخر وهو البنية التحتية غير المرئية. وهى أكثر أهمية وأعمق أثرًا هى البنية التحتية الثقافية. إن الثقافة ليست مجرد تلك المعارف التى تشكل رصيد المعرفة فى العقول، إنها طريقة تفكير المجتمع واللاوعى الجمعى الذى يوجه أفراد المجتمع إلى سلوكياته، فى مفردات حياتهم اليومية. إنها الميزان الحساس الذى يقيس به الإنسان كيفية تعامله مع القانون وآلية الالتزام به، هل نابعة من قناعة ووعى والتزام أخلاقى أم نابعة من الخوف من بنود القانون العقابية؟ هى أيضا فلسفة المجتمع تجاه العمل ونظرة أفراد المجتمع له، هى موقف الأفراد من الجمال والفن والوقت والاختلاف واحترام الآخر والتسامح وغيرها من كل تلك القيم التى تشكل سلم القيم الإنسانية والمفاهيم التى تضبط السلوك الإنساني. لذلك الدول التى تكتفى ببناء البُنى التحتية المرئية دون الالتفات إلى البنية غير المرئية تشبه بمن يشترى جهازا تقنيا معقدا باهظ الثمن، دون أن يمتلك برمجيات ودليل تشغيله. إن المدن الذكية حتى الذكاء الاصطناعى نفسه يحتاج إلى الإنسان الذى يتمتع بثقافة التنظيم والقيم والضمير والمعرفة والوعى بالمسئولية، حتى يمكن تشغيلهم، وتحولهم إلى منجزات فاعلة وحقيقية تخدم الوجود الإنساني. الثقافة شرط للتنمية لا نتيجة لها يقول البعض دعونا نبنى الاقتصاد، ونوفر لقمة العيش، ثم نلتفت للثقافة والفنون بعد ذلك. وللأسف يتحدثون دون وعى بأن هذا المنطق هو منطق معكوس. فالتاريخ والتجارب الإنسانية الحديثة تشير دائما إلى أن الثقافة والفنون شرط أساسى لنجاح الاقتصاد نفسه ونجاح كل مفردات بناء الدولة الحديثة. فإن مجتمعا لا يقرأ ولا يثق بالمؤسسات، ولا يحترم قيمة الوقت والعمل، ولا يملك خيالا بالمستقبل، ولا يدرك قيمة الجمال، ولا يفهم الانتماء الفعال، ولا يعى الالتزام القيمى يصعب عليه إنتاج تنمية حقيقية مستدامة. مهما امتلك من موارد طبيعية أو قدرات مالية. كل المفاهيم المحركة للقوة الاقتصادية هى منبثقة من ثقافة المجتمع. فكيف يتحرك اقتصاد تغيب فيه قيم مثل النزاهة والضمير والالتزام الفردى والانتماء والاحترام، والخيال، والقناعة بالعلم، والتطور. إن الثقافة هى التربة الخصبة التى إن صلحت نمت فيها المشروعات التنموية بكل قوة. التعليم وحده لا يكفي قد يظن البعض أن التعليم وبناء المدارس والجامعات يكفى لتحقيق هذا الوعى الثقافى المطلوب. وهنا نقع فى مغالطة كبيرة، فالتعليم قد ينتج فردا ماهرا فى مهنته، ولكنه فقير ثقافيا وإنسانيا. فالشهادة الأكاديمية لا تضمن أن يكون حاملها ممتلكا للضمير والفكر النقدى والقيم الإنسانية والوعى بالجمال واحترام التنوع. التعليم يمنح الإنسان الأدوات اللازمة للعيش. أما الثقافة، فهى تمنحه المعني. فالتعليم يعلمك كيف تبنى مصنعا، لكن الثقافة تعلمك كيف تبنى المصنع، وتحافظ على المجتمع، وتتعامل مع القوة العاملة من منطق إنسانى وبمسئولية أخلاقية. بدون الأفق الثقافى الواسع يصبح التعليم مجرد آلية تخرج طائفة تكنوقراط فاقدين بوصلتهم الأخلاقية والإنسانية والجمالية، وتتحول المعرفة إلى أداة نفعية مجردة من أى إنسانية. تجليات الوعى فى الشارع إن أردنا أن نرى ثقافة مجتمع ما فلا نعول على عدد الكتب المطبوعة ولا المسارح العاملة وغيرها من مظاهر الثقافة فقط، بل لنخرج إلى الشارع، وننظر فى مفردات تعامل الأفراد فى الفضاء العام. فالثقافة تظهر هناك على أرصفة الطرقات وفى علاقات الناس. إن مظاهر الحياة اليومية فى الفضاء العام ليست تفاصيل صغيرة ولا سلوكيات عابرة، بل هى انعكاس حقيقى للبنية التحتية غير المرئية للمجتمع. الشارع هو مرآة الوعى فحين يرتقى السلوك العام ندرك أن الثقافة قد تحولت من النصوص والحبر على الورق إلى نمط حياة وممارسات حية. فى مواجهة طوفان التفاهة فى زمن الثورة الرقمية وسيطرة شبكات التواصل الاجتماعى لم يعد الخطر الأكبر الذى يهدد العقل الجمعى هو الجهل البسيط وغياب المعرفة، لقد أصبح يكمن فى خوارزميات التفاهة التى حولت التفاهة إلى نموذج للنجاح السريع والشهرة والبروز الاجتماعي. إن تدفق المحتوى السطحى والضجيج الرقمى المستمر يعملان بصورة عميقة على إحداث تجريف فى الوعى وإضعاف فى القدرة على التركيز والتحليل وانتشار ما أطلق عليه مؤخرا ظاهرة التعفن الدماغى أو العقلي. لقد سطح العقول وغيب العمق الواعى فى التفكير واستبدل القضايا المصيرية باهتمامات هامشية سطحية مؤقتة ليست ذات قيمة. فى مواجهة هذا التحدى لم يعد العمل الثقافى مجرد مبادرات تطوعية تقوم بها مؤسسات المجتمع المدنى أو المؤسسات المعنية بالشأن الثقافى فقط، لكنه أصبح ضرورة ترتبط بالأمن القومى للدول. تتطلب منها صياغة مشروع ثقافى متكامل متشابك مع كافة المؤسسات بمختلف أنواعها من أجل حماية العقل العام من التفاهة التى تتفشى فى المجتمعات، ويعيد الاعتبار إلى التفكير النقدى العميق والمضمون الجمالى الحقيقي، ويقدم البدائل الجاذبة والعميقة التى تحصن الأجيال القادمة من حالة الاستلاب الفكرى الذى تتعرض له. الاستثمار طويل الأمد مما لا شك فيه، فإن أى طرح لا بد أن تواجهه تحديات وصعوبات، ومن أهم هذه التحديات أن الاستثمار فى الثقافة استثمار طويل الأمد، ولا تظهر نتائجه فى التقارير المالية والدورية السنوية، لكن مع الوعى ندرك أن هذا الاستثمار يتطلب الصبر والوعى بدقة وحساسية التغيرات التى تحدث على المدى البعيد. فهو الوحيد الذى يصنع الإنسان المؤهل للمستقبل والقادر على الحفاظ على استدامة التنمية، ويدير كل تلك المشروعات بكفاءة ونزاهة وإيجابية إنها عملية بناء تراكمى تبنى الوعى مثل جدار، يُبنى حجر فوق حجر لتضمن بقاء واستقرار البناء الكلى للدولة وقدرته على احتواء أى هزات أو أزمات مهما كانت. العمران الحقيقى يبدأ من الداخل إن كل دولة مهما قلت مواردها أو كثرت تستطيع أن تبنى حجرا فوق حجر، وتستورد أرقى التقنيات، ولكن الدولة الواعية هى التى تبنى مستقبلها وعيا فوق وعي، وتؤمن أن الإنسان هو المبتدأ والمنتهى لأى عملية تنموية. التنمية الحقيقية تبدأ من الداخل من عمق الإنسان وضميره، وإن كان العمران يمنح الدولة قوتها الظاهرة، فإن الثقافة تمنحها الاستمرارية والحصانة، وأعود لأؤكد أن الثقافة ليست زينة على هامش التنمية، بل هى التربة الحية والأساس القوى الذى تقف عليه التنمية، فالعمران بلا ثقافة وبلا وعى يحميه وبلا ذوق يهذبه ولا شعور بالجمال هو عمران بلا روح. باحثة إماراتية فى الأمن الاجتماعى والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.