ليس بالبناء وحده عاش الفراعنة.. حكاية "منيو" الحياة اليومية بمصر القديمة

موضوعية

الإثنين، 22 يونيو 2026 - 06:55 م

شيرين الكردي

لم تكن الحضارة المصرية القديمة عظيمة فقط بمعابدها وأهراماتها، بل امتدت عبقرية المصري القديم إلى تفاصيل حياته اليومية، وعلى رأسها الطعام.   فقد كشفت النقوش والبرديات وبقايا الأطعمة التي عُثر عليها داخل المقابر عن نظام غذائي متنوع، جمع بين الخبز والجعة والخضروات واللحوم والفواكه، ووثق جانبًا مهمًا من حياة المصريين القدماء وعاداتهم الغذائية التي استمرت بعض آثارها حتى يومنا هذا.   شكل الطعام جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في مصر القديمة، وساعدت النقوش الملونة على جدران المقابر والنصوص المصرية القديمة، إلى جانب بقايا الحبوب والأطعمة التي نجت من عوامل الزمن، في التعرف على طبيعة المأكولات والمشروبات التي عرفها المصري القديم، وكذلك بعض طرق إعدادها وفنون الطهي التي تميز بها.   - الخبز.. أساس المائدة المصرية القديمة   اعتمد المصريون القدماء بشكل رئيسي على الخبز والجعة والخضروات، وكان الخبز العنصر الأكثر أهمية في غذائهم. فقد كان يُصنع من القمح بعد طحنه وعجنه وخبزه، وعُثر على مئات الأرغفة التي احتفظت بشكلها بفضل المناخ الجاف في مصر.   وأبدع المصري القديم في صناعة أكثر من أربعين نوعًا من الخبز والكعك، فظهرت الأرغفة المستديرة والمستطيلة والمسطحة والمثلثة، بل وصُنعت أشكال تشبه الحيوانات والإنسان.   كما أضاف العسل والفواكه المجففة لصنع الخبز الحلو، فيما كان الخبز الأسمر يُحضّر بإضافة الحبوب المدشوشة إلى العجين. وتُظهر آثار الأصابع على بعض الأرغفة أن تشكيلها كان يتم يدويًا، بينما استُخدمت القوالب أيضًا في إنتاج أنواع أخرى.   - الجعة.. الطعام السائل   كانت الجعة أو البيرة أحد أهم عناصر المطبخ المصري القديم، لكنها اختلفت عن البيرة الحديثة، إذ كانت أكثر كثافة وغنية بالعناصر الغذائية، حتى وصفها الباحثون بأنها «طعام سائل».   وكانت توفر للجسم السكريات والنشويات والفيتامينات والأحماض الأمينية والمعادن، ويُعتقد أن صناعتها كانت تتم من خلال نقع أرغفة مخصصة للجعة في الماء وتركها للتخمر داخل أوعية كبيرة مع إضافة الشعير أو التمر، وقد نجحت دراسات حديثة في إعادة إنتاجها بالطريقة نفسها التي اتبعها المصريون القدماء.   - الخضروات والبقول.. وجبات يومية متنوعة   عرف المصري القديم أنواعًا عديدة من الخضروات والبقول، وكان العدس من أشهر الأطعمة الشعبية، وتشير الدراسات إلى أنه كان يُنقع ثم يُطحن قبل تناوله.   كما عُرفت نباتات الخس والكراث والبصل والثوم والكرفس والقثاء، بينما لم تكن الطماطم والبطاطس معروفة في مصر القديمة، لأنها من المحاصيل التي انتشرت عالميًا بعد اكتشاف الأمريكتين.   كذلك لم يكن الباذنجان معروفًا إلا في عصور متأخرة، ولا تزال طرق إعداد بعض هذه الأطعمة غير معروفة بشكل كامل.   - اللحوم.. رمز للثراء   مثلما هو الحال اليوم، كان تناول اللحوم يرتبط بالثراء والطبقات الميسورة، حيث كانت تُقدم في الأعياد والمناسبات، وأحيانًا كهدايا ومنح.   وربى المصريون الماشية والأغنام لإنتاج الألبان وصناعة الجبن، كما تناولوا لحم الخنزير. أما الأسماك فكانت متاحة للجميع بفضل نهر النيل، وكانت تؤكل طازجة أو مملحة أو مدخنة.   وفي المقابل، لم يعرف المصريون الدجاج في العصور المبكرة، ويُعتقد أنه لم ينتشر إلا خلال الأسرة الثلاثين بين عامي 380 و343 قبل الميلاد، بينما كانت لحوم الأوز والبط والسمان من أكثر الطيور استهلاكًا.   - التين والبلح والدوم.. فواكه المصريين القدماء   احتل التين والبلح مكانة خاصة على موائد المصريين القدماء، ولم يقتصر استخدامهما على الأكل فقط، بل أُضيفا إلى الخبز الحلو والنبيذ لإضفاء نكهات مميزة.   كما جفف المصريون البلح لصناعة التمر، أو هرسوه لإعداد ما يشبه المربى، وعرفوا أيضًا ثمار الدوم، حيث عُثر على مئات الحبات داخل المقابر الأثرية.   - البردي.. لم يكن للكتابة فقط   ارتبط نبات البردي بالحضارة المصرية القديمة باعتباره المادة الأساسية لصناعة الورق والمراكب والأسقف، إلا أنه كان يدخل أيضًا ضمن النظام الغذائي.   وأشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى أن الجزء السفلي من نبات البردي كان يُطهى ويؤكل، خاصة الأعواد الصغيرة الطرية التي اعتبرت غذاءً مقبولًا لدى المصريين القدماء.   - النبيذ.. مشروب الطبقة الثرية   كان النبيذ من المشروبات المفضلة لدى الطبقات الثرية، واستخدم كذلك في بعض الأغراض الطبية، مثل علاج السعال والتطهير الخفيف.   وتُظهر مناظر الاحتفالات المرسومة على جدران مقابر الدولة الحديثة مظاهر الإفراط في شرب النبيذ، حيث ظهر بعض الرجال والنساء في حالة سُكر وإعياء، فيما كان آخرون يُحملون إلى منازلهم بعد انتهاء الاحتفالات.   وعرفت مصر القديمة أنواعًا متعددة من النبيذ تفاوتت في الجودة، فكان هناك نبيذ يحمل اسم «نفر نفر نفر»، أي «جيد جدًا»، وهو أعلى جودة من نبيذ «نفر». كما ارتبطت زهرة اللوتس المصرية بخصائص تسبب حالة من النشوة، وكان إضافتها إلى النبيذ تمنحه تأثيرًا أقوى.   - الطعام في العالم الآخر   لم يكن الطعام مخصصًا للأحياء فقط، إذ اعتقد المصري القديم أن الحياة تستمر بعد الموت، لذلك حرص على تزويد المقابر بالطعام والشراب والقرابين.   وتُظهر النقوش أصحاب المقابر جالسين أمام موائد عامرة بالأطعمة، بينما يحمل الخدم القرابين إليهم، كما سُجلت قوائم كاملة بالمأكولات والمشروبات على جدران بعض المقابر، ومن بينها ألف رغيف خبز وألف جرة جعة، إضافة إلى أصناف عديدة من اللحوم والفواكه والمشروبات، في إيمان راسخ بأن المتوفى سيحتاج إليها في العالم الآخر.   وهكذا تكشف لنا موائد المصريين القدماء جانبًا آخر من عبقرية هذه الحضارة العريقة، التي لم تترك لنا الأهرامات والمعابد فقط، بل وثقت أيضًا تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها فنون الطهي والعادات الغذائية التي ما زالت بعض ملامحها حاضرة في المطبخ المصري حتى اليوم.