الأحزاب السياسية كيف تتحقق الغاية منها؟

د. محمود الوزير

الإثنين، 22 يونيو 2026 - 08:02 م

الأخبار

السياسى الرشيد هو من يدرك - كقاعدة قطعية - أن قوة الأحزاب مستمدة من قوة الدولة ومشروعيتها فى عالم تتلاطم فيه أمواج التحولات السياسية، وتتداخل الرؤى حول مسارات الإصلاح والتنمية، يبرز تساؤل جوهرى يشغل عقول النخبة وتطلعات المواطنين، تساؤل موضوعى يرتاد آفاق اليقين، ويبتغى جلاء الحقيقة حول كيفية تحول العمل الحزبى من منافسة عابرة إلى رافعة حقيقية للنهوض بالوطن، تبلغ بها الأحزاب الغاية الأسمى التى توخاها المشرع الدستورى الحكيم من وجودها؟ وتأصيل وجه الحق فى هذا المقام يستوجب استجلاء حقيقة الأمر برؤية دستورية سديدة. وفلسفة وطنية فريدة، تبين طبيعة العلاقة التلازمية بين مشروعية الكيانات الحزبية وقوة الدولة، باعتبار الدولة فى الوعى الدستورى هى الكيان الاعتبارى الأسمى والمظلة السيادية التى تستوعب الكافة، هى الحصن الحصين الذى يصون الهوية ويحمى السكينة العامة، ويضمن بقاء الأمة واستقرارها. ومن ثم، فإن أى جهد حزبى ينأى عن جعل استقرار الدولة وحماية أركانها هدفه الأسمى، هو عمل مشوب بالبطلان الموضوعى، ومجرد من أى أثر واقعا وقانونا، كونه يفضى إلى تشتيت الجهود، والنيل من الاستقرار المنشود. إن الحزب السياسى - فى ظل الشرعية الدستورية الرشيدة- لا يمكن أن يكون ساحة للمزايدات والخصومات، وإنما هو تنظيم وطنى عام، ومدرسة تلتقى فى رحابها الأفكار لخدمة الصالح العام، وتتسابق فى إطارها العقول لرفعة الوطن وتحت لوائه. وتلك غاية رفيعة لا تنال بالأمانى، ولا تدرك بالشعارات الموسمية، وإنما تصبو إليها الأحزاب عبر خارطة طريق واضحة المعالم، ومنهاج قانونى وعملى واضح، يرتكز فى مقامه الأول على فقه «المسئولية الوطنية الدستورية» فى أدق أبعادها، فلا ينحرف دورها إلى الخروج على مقتضيات العمل البرلمانى المشترك مع السلطة العامة أو عرقلة مساراتها، بل تلتزم بأن تكون ظهيرا وكيانا مؤازرا للدولة، تقوى من أركانها وتقدم لها البدائل العملية التى تعين على مواجهة التحديات، والاستجابة لمتطلبات العصر، فالسياسى الرشيد هو من يدرك - كقاعدة قطعية - أن قوة الأحزاب مستمدة من قوة الدولة ومشروعيتها، وأن أى نيل من كيان الدولة - لا قدر الله - هو زوال متبادل للحزب والوطن معا، الأمر الذى يفرض حتما تحول المقرات الحزبية من منصات للسجال إلى حواضن فكرية وقانونية تعنى بإعداد وتأهيل الكفاءات، وإمداد المرفق العام بالكوادر المؤهلة، القادرة على حمل أمانة المسئولية العامة بوعى مستنير، يقدم المصلحة العليا للبلاد على المصالح الضيقة والمقاصد الحزبية الخاصة. وينتهى هذا المزيج الوطنى إلى غاية تحقيق الاتصال السوى بالمواطنين وتعميق الوعى العام، بما يكفل اتساق هذا الارتباط مع مبدأ البناء لا الهدم، والجمع لا التفرقة، اتصال يستهدف تبصير الرأى العام بحجم التحديات السياسية الاقتصادية التى تواجه الدولة، وتعميق قيم المواطنة الإيجابية والعمل المخلص، وبذلك لا يغدو الحزب عبئا يثقل كاهل الدولة وينال من مقدراتها، بل رافعة قوية تنهض بالوعى العام، ترتقى بالممارسات السياسية، وتنأى بالمجتمع عن مزالق الانفعال الجماعى إلى آفاق العقل، والالتزام بأحكام القانون، إن خلاصة القول الفصل التى تستقر فى وجدان الفقه الدستورى وتلتزم بها الممارسة السياسية الرشيدة، هى أن رداء المشروعية ليس هبة تمنح بلا مقابل، بل التزام متبادل قاعدته الولاء ومآله البناء، فالنص الدستورى نظم الأحزاب بوصفها روافد تغذى شريان الدولة وعماد استقرارها. ومن هنا، فإن الارتباط الوثيق بين انتظام العمل الحزبى ومقتضيات الأمن القومى يجد حله العادل فى مبدأ التلازم الحتمى بين ديمومة الكيان العام وحيوية القوى السياسية، إذ لا حزب بلا دولة، ولا بقاء لدولة إلا بالتفاف المواطنين حول ثوابتها العليا. وبناء عليه، يظل الحفاظ على ركائز الدولة وحماية سكينتها العامة هو النص الأسمى الذى يسبق كل نص، والغاية الكبرى التى تنحنى أمام أحكامها كافة الأطروحات والمآرب.