ناس من بلدنا على الجسر!
الإثنين، 22 يونيو 2026 - 08:42 م
إبراهيم المنيسي
«اختال فوق عيدانك واكبر يا زرع الشراقى
ده صباحك منور يا أخضر والخير فى اللى ساقى»
هكذا رحت أدندن بكلمات أغنية الشيخ سيد مكاوى
وحشتنى ست الحبايب.. وعكة صحية طارئة تعرضت لها دفعتنى لشد الرحال لبلدتنا بأسيوط.. أصرت زوجتى وبنتاى «مى وميار» على اصطحابى للبلد، وطلبن أن نستقل القطار من باب الفسحة والفرجة على تفاصيل الصعيد، بدلاً من الطريق الصحراوى المقطوع. مساء الجمعة كنا فى محطة السكة الحديد بالجيزة.. محطة عتيقة لا تزال ملامحها القديمة كما هى، بل زاد الزحام فيها. ثمة عدد من الأجانب فى استراحة المحطة. القطار متجه للأقصر وأسوان حيث وجهة السياح، ومئات الصعايدة يفترشون الأرصفة. بحثت عن كشك الجرائد فلم أجده، كان هذا الكشك مقصدنا الدائم فى رحلات العيد والمواسم، منذ أيام الدراسة وشقاء البدايات، كنت والأصدقاء عماد الدين حسين، وحمدى عبد الرحيم، ومن يرافقنا، نتزود منه بما يعيننا على الرحلة الطويلة التى كانت وقتها غالباً فى قطارات الدرجة الثالثة المتهالكة.
جلست وأسرتى على مقاعدنا بالقطار، رفقة عدد من الأجانب الذين لم يتعطف عليهم المذيع الداخلى للمحطة بإخطارهم برقم وموعد وصول القطار، فقط صوته المرهق الخافت ينطق بحروف عربية ممزقة. ساعدنا الأجانب على الانتباه لموعد القطار وأرقام عربياته.
صدفة غريبة حقاً؛ بينما كنت أحكى لزوجتى وبناتى عن ذكريات قطار الصعيد، وكيف كانت رحلاتنا زمان، وبعضاً من مواقف عماد حسين وحمدى عبدالرحيم الذى فاته النزول فى محطتنا بالقوصية ليلة العيد، رن هاتفى المحمول: عماد حسين يتصل.. صدفة عجيبة.. عماد الدين حسين نائب البرلمان ورئيس تحرير الشروق، لا يشغله شيء عن واجب الغلاسة والمكايدة واستغلال كبوة الأهلى. مناكفة عمرها يزيد على الأربعين عاماً، وهو كما هو بطريقته ومناكفته منذ سنوات صبانا وشبابنا. هم هكذا لا يتغيرون، ولأنه كان كلما بادلته المكايدة فى تعثراتهم الكثيرة، يرد بتعال: يا عم كورة إيه بس.. خلينا نشوف ترامب وما قاله إمبارح.. وأزمة مضيق هرمز هتخلص على إيه (!!).. هنا أردت مبادلته بنفس طريقة لعبه المحفوظة.. ما إن بدأ بالحديث عن الدورى وكبوة الأهلى واقتراب الزمالك منه، قلت له: دورى إيه بس.. شوفت فرانسيس واللى حصل له، (فرانسيس هذا هو د. فرانسيس عبد الملاك رزق، ابن قريتى منشأة خشبة بالقوصية، وأيضاً صديق عماد، وزميل الدراسة بالدير الإعدادية والقوصية الثانوية).. رد عماد، وقد خضه السؤال: ما له فرانسيس؟.. قلت: كرمته وزارة الخارجية المصرية.. فرح ونسى الدورى والزمالك.. وقال: بجد؟، قلت: ألم تقرأ ما كتبته عنه على صفحتى فى فيس بوك؟. قال: لا.. انتظر أشوفها.. وراح يقرأ تفاصيل منشورى عن تكريم السفيرة نجلاء نجيب، سفيرة مصر بالسويد له، ووصفها د. فرانسيس بأنه بكفاحه العلمى ونبوغه وتفوقه، صار الأشهر والأبرز فى مجال الأوعية الدموية فى مملكة السويد، وله أبحاثه ومقالاته المنشورة فى كبرى الدوريات العلمية العالمية. فرح عماد حسين بما قرأ، وفاجأته بأننى فى الطريق للبلد، وأن صديقنا د. فرانسيس بالصدفة موجود حالياً فى إجازته بالصعيد. وطلب عماد ترتيب لقاء معه، والاحتفاء به فى القاهرة، لكنه لم ينس المقارنة الدائمة بين قريتينا، فقلت له: فرانسيس مجرد نموذج لكثير من شباب ورجال قريتنا منشأة خشبة.. هلا وصلك نبأ د. جمال وارث؟. رد بسؤال: ومين ده كمان؟.. قلت له: إسأل جوجل.. وسريعاً راح يقرأ: د. جمال وارث، الخبير والعالم البارز بألمانيا فى مجال الأمراض البيولوجية، وقد عينه المعهد الفيدرالى لصحة الحيوان فى ألمانيا رئيساً للمعمل المرجعى للجمرة الخبيثة، وتم اختياره ممثلاً لألمانيا كمستشار فى مكتب مكافحة الأسلحة البيولوجية بالأمم المتحدة. اندهش عماد بإعجاب شديد، قلت له: شوفت فيه ناس من بلدنا وصلوا فين.. كرر إعجابه وتحيته.. ونسى الزمالك وبيزيرا!!
ورحنا نتذكر ونتحدث عن ناس من بلدنا القوصية، ممن هاجروا ونبغوا فى أنحاء العالم، وكان آخرهم د. مينا رزق، الذى انتخب رئيساً للمجلس التنفيذى لمنظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو). سر غريب فى القوصية، ربما تأتى الفرصة لاحقاً للتوقف عنده.
مآذن الصعيد
على طول الطريق بمدن وقرى الصعيد تلحظ مآذن المساجد الشاهقة مضاءة بكثافة، وبألوان الأخضر والأزرق، على ارتفاعها وتعددها.. ولا أدرى لماذا السكوت على هذا من جانب الأوقاف.. لا فرق بين المساجد والكنائس.. هل يظنون أنهم بهذا الهدر للطاقة هم ينيرون الطريق للجنة؟!.. ولماذا لا تفرض على دور العبادة والمدارس وغيرها من المنشآت العامة استخدام الطاقة الشمسية.. بل، لماذا لا تستثمر شمس الصعيد الحارقة فى توليد الطاقة.. كيف لا تعمل البنوك الوطنية ضمن مشروع قومى عملاق يوفر لكل صاحب منزل بالصعيد وبحرى أيضاً كلفة تركيب ألواح توليد الطاقة الشمسية على المنازل.. منه فائدة اقتصادية وطنية كبيرة، قد تسمح بتصدير الكهرباء، ومشروع تنموى للأسر الغلبانة التى تستثمر فى منازلها وشمسها، والبنوك فى توظيف أموالها، ولمصانع ألواح الطاقة الشمسية التى أنشأتها الدولة بتكثيف منتجاتها..
يا زرع الشراقى!
«اختال فوق عيدانك واكبر يا زرع الشراقي..
ده صباحك منور يا أخضر والخير فى اللى ساقي..»..
هكذا رحت أدندن بكلمات الأغنية التى لحنها الشيخ سيد مكاوى وغنتها المجموعة..
وعبر نافذة القطار تأتينا مشاهد عيدان القمح المتمايلة، وقد مالت تنتظر الحصاد.
قالت زوجتى: واضح إن الصعايدة يزرعون القمح كتير ما شاء الله..
تذكرت ما كان مجلس التحرير فى جريدتنا «الأخبار» يناقشه، ويطالب رئيس التحرير د. أسامة السعيد بمتابعة تقارير حصاد وتوريد القمح، وارتفاع سعر شرائه من الفلاحين، لتقليل الفجوة بين إنتاجنا واستهلاكنا من القمح، وحاجتنا الماسة للاستيراد فى ظل الحروب وظروف التجارة العالمية الصعبة. لا شك أنه مع زيادة الرقعة الزراعية وغزو الصحراء بجرأة، يمكننا تقديم مزيد من الحوافز للفلاح ليزرع القمح. نستطيع تضييق هذه الفجوة إذا ما وفرنا تسهيلات للفلاح، وليكن منها وأهمها توفير الأسمدة بأسعار رسمية لكل فدان مزروع بالقمح، وتقديم ما يحتاجه الفلاح من تقاوى لسلالات جيدة ومتطورة. نستطيع إحداث ثورة كبيرة ونقلة فى إنتاج خبزنا وطعامنا وتوفير لقمة العيش.
حكاوى الجسر!
يا إلهى.. للمرة الثانية يتصل بى على الهاتف من يدنو طيفه من ذاكرتى فى هذا القطار.
عجلات القطار تهدئ قليلاً من سرعتها عند محطة ديرمواس، وهو المركز الأخير بجنوب المنيا، والمتاخم لمدن وقرى شمال أسيوط. تذكرت من أبناء ديرمواس أستاذنا الكابتن عبدالمجيد نعمان، رحمة الله عليه، والكاتب الصحفى خالد ميرى، رئيس تحرير الأخبار السابق، وكذلك الصديق العزيز الصحفى النابه أحمد عبدالرازق، والذى برغم ابتعاده وعمله منذ سنوات طويلة بهيئة الإذاعة البريطانية BBc، لكنه لم ينس حكاوى الجسر والغيطان، وأيام الشقاء فى البدرمان ونزلة البدرمان. حكاوى وقصص بديعة خطها أحمد عبر السوشيال ميديا، تكشف عن سر هذا المكون فى تلك الطينة الطيبة التى قدمت للوطن عمالقة كثر فى الفكر والأدب والعلوم والسياسة. الصعيد قدم لمصر خيرة مفكريها وعلمائها وقياداتها على مر العصور. كنت أتذكر كلام أحمد عبد الرازق عن حكاوى الجسر، لأتفاجأ برن هاتفى: أحمد عبد الرازق - لندن..!!
با إلهى.. مش ممكن بجد.. صوتى العالى بدهشة سمعه تقريباً كل من فى عربة القطار.. أهى الصدفة، أم أن عفريتاً يسكن هذا الجهاز المدهش؟!
حكيت لصديقى من لندن كيف أن صديقنا المشترك عماد حسين (كلاهما من دفعة إعلام ٨٦، وأصدقاء العمر)، كنت أتحدث عنه من كام ساعة، فجاءنى اتصاله.. والآن أنت أيضاً.. قال: إحنا مخاويين.. فاكر زمان حكاية المخاوى.. وراح أحمد عبد الرازق يحكى، وهو يغرف من قاع الذاكرة الريفية الخصبة.. حتى قاطعته: تعرف أنا ذات مرة عرضت على صديقنا حمدى عبد الرحيم بحسه الصحفى والأدبى المتفرد، أن يجمع فى كتاب مجموعة كبيرة من مقالات لعدد من أبناء الريف الصعيدى عن هذه البيئة وطينتها وشقائها وسرها وحكيها ولمبة الجاز التى خرجت عباقرة، ذاكروا على ضوئها الخافت، وكيف أسهمت هذه البيئة فى تكوين وعى وفكر ووجدان وإرادة الآلاف من رموز وأدباء وشعراء ومفكرين، وغيرهم فى كل المجالات.. إسهام حضارى تاريخى كبير، وقيم وقامات وأحلام ولدت وكبرت على الجسر!..