دبلوماسية القاهرة تحسم معركة التهدئة بالشرق الأوسط
الثلاثاء، 23 يونيو 2026 - 10:43 ص
ياسمين عبدالحميد
وسط تصاعد غير مسبوق فى حدة التوترات وتزايد المخاوف الدولية من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة بين الولايات المتحدة وإيران جاءت الجهود المصرية لتؤكد مجددًا قدرة القاهرة على لعب دور محورى فى إدارة الأزمات الإقليمية، عبر دبلوماسية هادئة لا تبحث عن الصخب، وإنما تسعى إلى حماية الأمن الإقليمى ومنع اتساع دائرة الصراع.
الدور المصرى فى الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن تحركًا طارئًا فرضته اللحظة، وإنما امتداد طبيعى لثقل سياسى وتاريخى تمتلكه القاهرة، وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، وامتلاكها شبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة تؤهلها للقيام بدور "جسر التفاهم" فى أكثر الملفات حساسية.
ويُجمع الخبراء والمحللون على أن توقيع مذكرة التفاهم بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان يمثل نقطة تحول مهمة فى مسار الأزمة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات التفصيلية حول الملفات الخلافية، بعد أن نجحت الأطراف فى تجاوز مرحلة المواجهة المباشرة إلى البحث عن حلول سياسية.
رؤية شاملة
القاهرة تعاملت مع الأزمة من منطلق رؤية شاملة للأمن الإقليمى، حيث أدركت مبكرًا أن استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران لن يبقى محصورًا بين الطرفين، بل سيمتد تأثيره إلى دول المنطقة وأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية والأوضاع الأمنية فى الشرق الأوسط، وفقًا للدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، والذى يُشير إلى أن القيمة الحقيقية للتحرك المصرى جاءت من فهم طبيعة اللحظة، فالأزمة لم تكن مُجرد خلاف ثنائى بين دولتين، لكنها كانت أزمة إقليمية مفتوحة على احتمالات مُتعددة، ولذلك كان المطلوب تحرك يوازن بين المصالح المختلفة ويحافظ على قنوات الاتصال، مُضيفًا أن مصر تمتلك ما يُمكن وصفه بـارأس مال دبلوماسىب مُتراكم، نتيجة عقود من الانخراط فى ملفات المنطقة، بداية من القضية الفلسطينية، مرورًا بالأزمات العربية المختلفة، وصولًا لقدرتها على التواصل مع القوى الكبرى، موضحًا أن القاهرة لا تتحرك باعتبارها طرفًا فى الصراع، وإنما باعتبارها دولة تسعى لمنع انهيار منظومة الأمن الإقليمى، والحفاظ على استقرار المنطقة التى ترتبط بها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
وجاء الترحيب المصرى بمذكرة التفاهم االأمريكية ـ الإيرانيةب ليعكس هذا التوجه، حيث أكدت رئاسة الجمهورية أن الخطوة تُمثل تطورًا بالغ الأهمية نحو خفض التوتر وتجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد، بما يُسهم فى استعادة الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط، وأكد المُتحدث الرسمى باســم رئاســة الجمهـورية السفير محمد الشـناوى تقـدير مصــر للجهــود الرامــية لتحقيق السلام وتسوية المُنازعات بالطرق السلمية، مُشيرًا إلى تقدير القاهرة لقيادة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وجهوده للتوصل لنص توافقى لمذكرة التفاهم بجانب التفاعل الإيرانى الإيجابى، كما ثمّنت مصر جهود الشركاء الإقليميين، وفى مقدمتهم باكستان وقطر والسعودية وتركيا، للوصول لهذه النتيجة، مؤكدة أن التنسيق الإقليمى كان عنصرًا أساسيًا فى الوصول للتهدئة.
بيان الرئاسة المصرية يُجسد دور القاهرة كصمام أمان ومنارة للسلام بالمنطقة، كما يُشير المهندس إيهاب محمود الأمين العام المساعد لحزب الجيل الديمقـراطــى بالإسكندريــة، مــؤكــدًا أن المـوقــف المصرى يعبر بحكمة واقتدار عن دور القاهرة التاريخى، مُعلنًا الدعم الكامل للموقف الرسمى للدولة المصرية تجاه التوقيع على مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، مؤكدًا أن هذه الخطوة الجريئة تعكس تغيرًا نوعيًا فى موازين الدبلوماسية الدوليــة، مـوضـحًا أن هـــذا النجــاح الدبلوماســـى الكبير لم يكن وليد الصُدفة، بل هو ثمرة تنسيق رفيع المستوى وتكامل حقيقى فى الأدوار بين مُختلف القوى الإقليمية والدولية، مثمنًا التنسيق الكامل والشفاف الذى تم مع الشركاء الإقليميين للوصول لهذه النتيجة المُرضية لجميع الأطراف، ومُثمنًا أيضًا الجهود الصادقة والدؤوبة التى بذلتها عواصم شقيقة وصديقة مثل باكستان وقطر، فضلًا عن الدور الاستراتيجى والمحورى لباقى أطراف الرباعية مُمثلة فى السعودية وتركيا، مُشيرًا إلى أن هذا التحالف والتنسيق يُبرهن على أن أمن الشرق الأوسط لا يُمكن هندسته من خلف الغرف المُغلقة بعيدًا عن إرادة ورؤية قواه الإقليمية الفاعلة، لافتًا إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المذكرة لا تكمن فقط فى كونها مهلة اختبار لخفض التصعيد العسكرى، بل فى قدرتها على أن تشكل نقطة تحول رئيسية نحو مرحلة جديدة كليًا فى الشرق الأوسط، قوامها بناء الثقة المتبادلة والتعاون المشترك.
وشدد محمود على أن الهدف الأسمى الذى تدعمه مصر هو الانطلاق من هذه المذكرة نحو صياغة اتفاق نهائى، شامل ومستدام، يحفظ حقوق الدول وسيادتها، مؤكدًا أن العبرة فى المُذكرات الدولية تكون بمدى الالتزام القانونى والأخلاقى بتنفيذها؛ لذا يجب على واشنطن وطهران الالتزام الكامل بمذكرة التفاهم روحًا ونصًا؛ لقطع الطريق على أى أطراف أو أذرع مُتشددة قد تسعى لإفشال هذا المسار، ولضمان ألا تُستخدم هذه الفترة لالتقاط الأنفاس والمناورة، بل للبناء الحقيقى نحو السلام.
التقاط الأنفاس
المنطقة كانت بحاجة إلى مساحة لالتقاط الأنفاس، لأن استمرار التصعيد كان يمكن أن يؤدى إلى أخطاء فى الحسابات من أى طرف، وقد يتحول حادث محدود إلى مواجهة واسعة يصعب السيطرة عليها، هكذا يقول لواء طيار دكتور هشام الحلبى المُستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، مُشيرًا إلى أن ما جرى تداوله حتى الآن بشأن التفاهمات بين أمريكا وإيران لا يُمكن وصفه بـاالاتفاقب، بل يندرج فى إطار اوثيقة إعلان مبادئب تُمهد لبدء مفاوضات تفصيلية حول القضايا الخلافية بين الجانبين، موضحًا أن الوثيقة ـ وفق المُتداول ـ تُمثل إطارًا عامًا للجلوس على طاولة المفاوضات بشرط أن تُركز المرحلة الأولى من التفاوض على 3 ملفات رئيسية امضيق هرمز، والبرنامج النووى الإيرانى، ووقف القتال فى مختلف الجبهات المرتبطة بالصراعب، مُضيفًا أن التحرك نحو التفاهمات السياسية يُمثل نجاحًا لمنطق إدارة الأزمة بدلًا من تركها تنفجر، مُشيرًا إلى أن الدول الكبرى أصبحت تُدرك أن الحلول العسكرية لم تعد قادرة على إنهاء أزمات الشرق الأوسط المُعقدة، مُختتمًا بأن مصر لعبت دورًا مُهمًا فى دعم مناخ التهدئة من خلال اتصالاتها وتحركاتها السياسية، باعتبارها دولة تمتلك رؤية واضحة تجاه مخاطر الفوضى الإقليمية.
ويتفق مع الرأى السابق الدكتور أشرف سنجر خبير السياسات الدولية، لافتًا إلى أن استمرار التوتر كان يُضر بالاقتصاد الإيرانى واقتصاديات الشرق الأوسط، بل وامتد أثره السلبى للمواطن الأمريكى والاقتصاد العالمى، مؤكدًا أن حكمة الرئيس السيسى كانت حاضرة بقوة فى دفع مسار التهدئة، موضحًا أن الرؤية المصرية شددت على ضرورة وقف نزيف الدماء وتبنى حلول دبلوماسية شاملة، وهو ما انعكس فى تبنى الإدارة الأمريكية لوجهة نظر تتسم بالهدوء والسلام لإنهاء الأزمة.
وأضاف سنجر أن الاتفاق يتضمن بنودًا جوهرية منها التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووى مُقابل رفع الحصار البحرى الأمريكى عن إيران فورًا، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية مما يضمن تدفق الطاقة واستقرار الأسواق العالمية، مُحذرًا من محاولات التدخل الإسرائيلى المُفاجئ لإفشال الاتفاق، مؤكدًا فى الوقت ذاته أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لإثبات أن قرار الحرب أو السلام هو قرار سيادى أمريكى خالص لا يرتبط بدولة أخرى، وشدد على أن الهدنة ستستمر طالما وُجدت الإرادة السياسية، مُعولًا على الدور المصرى المستقبلى فى دعم تنفيذ الاتفاق وضمان استدامته، مُختتمًا بأن الاتفاق يُمثل نقطة دفع إلى الأمام للجانبين، لأنه يمنح الطرفين فرصة لإعادة ترتيب الأولويات والانتقال من لغة التصعيد إلى لغة التفاوض، وأن المرحلة المُقبلة ستشهد مُفاوضات دقيقة حول عدد من الملفات أبرزها القضايا الأمنية، والبرنامج النووى، والضمانات المُتبادلة، وترتيبات خفض التصعيد فى الإقليم، منوهًا بأن نجاح المرحلة المُقبلة سيتوقف على مدى قدرة الطرفين على بناء الثقة، والالتزام بما تم الاتفاق عليه، وتجنب العودة إلى خطاب المواجهة.
ملفات مُعقدة
مصر تنظر إلى أى تهدئة بين القوى الكبرى فى المنطقة باعتبارها مدخلًا لمعالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فقد ربط البيان المصرى بوضوح بين التطورات الأخيرة وبين ضرورة الدفع نحو حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية التى ظل غياب تسويتها سببًا رئيسيًا فى استمرار حالة عدم الاستقرار، وهو ما يوضحه الدكتور ياسر عبد المقصود وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، مُبينًا أن القاهرة ترى أن خفض التوتر بين واشنطن وطهران يُمكن أن يخلق بيئة أكثر مُلاءمة لمُعالجة أزمات المنطقة، وفتح المجال أمام تحركات سياسية أوسع.
وقال عبد المقصود إن مصر تواصل أداء دورها المحورى كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمى، من خلال تحركات دبلوماسية مكثفة نجحت فى احتواء التصعيد وقيادة جهود التهدئة، بما يحمى أمن دول الخليج ويجنب المنطقة مزيدًا من التوترات، مُشيرًا إلى أن التنسيق االمصرى ـ الأمريكىب يعكس قوة ومتانة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، مُضيفًا أن هذا التوافق الدولى، المدعوم بالدور المصرى الفاعل، لم ينعكس فقط على خفض حدة التوترات الأمنية، بل ساهم أيضًا فى تهيئة الأجواء لعودة الحياة لطبيعتها تدريجيًا بعدد من دول المنطقة بجانب استعادة قدر من الاستقرار فى الأسواق العالمية، خاصة فى قطاعات الطاقة والتجارة، مُشددًا على أن التحركات المصرية أكدت مُجددًا قدرة القاهرة على بناء جسور التفاهم بين الأطراف المُختلفة، وترسيخ مسارات الحلول السياسية والدبلوماسية، بما يعزز الأمن الجماعى ويحد من تداعيات الأزمات على الاقتصاد الإقليمى والدولى، مُشددًا على أهمية استمرار هذا التنسيق الدولى، والبناء على حالة التهدئة الحالية، لضمان تثبيت وقف إطلاق النار وتحقيق استقرار طويل الأمد، مُشيرًا إلى أن مصر ستظل طرفًا رئيسيًا فى دعم السلام الإقليمى وصياغة حلول متوازنة تحافظ على مصالح جميع الأطراف.
اقرأ أيضا: وكالة «تسنيم»: الرئيس الإيراني يزور باكستان غدًا