الفاصوليا البيضاء.. محصول استراتيجي يدعم مئات الأسر في "العوضية"
الثلاثاء، 23 يونيو 2026 - 02:59 م
وائل المنجي
في مشهد تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل، وتختلط فيه رائحة الأرض بعرق الفلاحين، تبدأ قرية "العوضية" التابعة لمركز شربين بمحافظة الدقهلية، موسمًا جديدًا من مواسم الخير، مع انطلاق حصاد الفاصوليا البيضاء، أحد أهم المحاصيل النقدية التي تمثل مصدر دخل رئيسيًا لمئات الأسر الزراعية بالمنطقة.
وعلى امتداد الحقول التي اكتست بلونها الذهبي معلنة اكتمال النضج، يتحرك المزارعون منذ الساعات الأولى من الصباح بين النباتات الجافة، ليبدأوا المرحلة الأخيرة من رحلة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر من العمل المتواصل داخل الأرض، رحلة تحمل في تفاصيلها الكثير من الجهد والأمل وانتظار العائد الذي يحدد ملامح عام كامل بالنسبة للفلاح وأسرته.
- مراحل تجهيز الأرض
وتعد الفاصوليا البيضاء من المحاصيل التي تشتهر بها قرى مركز شربين، حيث تحظى بمكانة خاصة لدى المزارعين نظرًا لقيمتها الاقتصادية وارتفاع الطلب عليها في الأسواق المحلية والخارجية، الأمر الذي يجعل موسم حصادها حدثًا ينتظره الجميع كل عام.
اقرأ ايضا| كنز غذائي في طبقك.. ما لا تعرفه عن سر الصحة في براعم الفاصوليا
ويؤكد المزارعون أن نجاح المحصول لا يرتبط فقط بموعد الزراعة أو جودة التقاوي، بل يبدأ منذ تجهيز الأرض ويمر بمراحل طويلة من الري والتسميد ومكافحة الآفات ومتابعة النباتات بشكل يومي، حتى تصل إلى مرحلة النضج الكامل بعد نحو 100 يوم من الزراعة.
ومع ظهور علامات النضج على النباتات، تبدأ الاستعدادات للحصاد، حيث تتحول الأوراق إلى اللون الأصفر وتجف السيقان تدريجيًا، بينما تكتسب القرون لونًا أصفر مائلًا للبني، وتصبح الحبوب بداخلها مكتملة النمو، وهي إشارات ينتظرها الفلاحون لبدء جمع ثمار تعبهم.
- موسم حصاد الفاصوليا مناسبة استثنائية للأهالي
وقال محمد أبو عبود، أحد مزارعي القرية، إن موسم حصاد الفاصوليا البيضاء يمثل مناسبة استثنائية لأهالي القرية، موضحًا أن الفلاح يظل طوال أشهر الموسم بين الأرض والمحصول، يتحمل تكاليف الزراعة ومتطلبات الرعاية أملاً في حصاد جيد يعوض ما بذله من جهد.
وأضاف أن موسم الحصاد لا يقتصر على كونه مرحلة زراعية فحسب، بل يمثل موسمًا للفرحة والرزق بالنسبة للأسر الريفية، حيث يعتمد الكثيرون على عائد المحصول في سداد الالتزامات المالية وتوفير احتياجات الأسرة وتجهيز الأبناء ومواجهة متطلبات الحياة المختلفة.
وأشار إلى أن عملية الحصاد تمر بعدة مراحل دقيقة، تبدأ باقتلاع النباتات من جذورها سواء يدويًا أو باستخدام المعدات الزراعية، ثم يتم تجميعها داخل الحقول وتركها لمدة تصل إلى 15 يومًا تحت أشعة الشمس، لضمان جفافها الكامل والوصول إلى أفضل جودة ممكنة للحبوب.
- أبرز التحديات التي قد تؤثر على جودة الإنتاج
وبعد انتهاء مرحلة التجفيف، تبدأ عملية الدراس باستخدام المعدات المخصصة لفصل الحبوب عن النباتات الجافة، لتظهر حبات الفاصوليا البيضاء في صورتها النهائية، جاهزة للتعبئة والتسويق والانتقال إلى الأسواق.
وتتفاوت إنتاجية الفدان الواحد بحسب طبيعة التربة ومستوى الخدمة الزراعية المقدمة للمحصول، حيث يحقق الفدان في المتوسط إنتاجًا يتراوح بين طن و1.3 طن من الفاصوليا البيضاء، بينما تختلف الأسعار وفقًا لجودة الحبوب ونسبة النقاء ومستوى التجفيف.
ورغم الأجواء التي يغلب عليها التفاؤل خلال موسم الحصاد، فإن المزارعين يؤكدون أن هناك العديد من التحديات التي قد تؤثر على جودة الإنتاج، أبرزها التسرع في الحصاد قبل اكتمال النضج أو عدم منح النباتات فترة التجفيف الكافية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع جودة الحبوب وانخفاض قيمتها التسويقية.
وفي العوضية، لا يبدو حصاد الفاصوليا البيضاء مجرد عمل زراعي موسمي، بل حكاية متجددة من الصبر والإصرار، يكتبها الفلاحون كل عام فوق أرضهم الطيبة، مؤمنين بأن ما يُزرع بالجهد ويُروى بالتعب لا بد أن يؤتي ثماره، وأن الخير يظل دائمًا مكافأة مستحقة لمن تمسك بالأرض وأخلص لها.