بعد ربع قرن من وعود الفوضى

رضا هلال

الثلاثاء، 23 يونيو 2026 - 07:39 م

رضا هلال

قبل أكثر من ٢٥ عامًا، تحدثت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عن «الفوضى الخلّاقة»، يومها تعامل كثيرون فى العالم العربى مع الفكرة باعتبارها مجرد وهم سياسى أو حلم أمريكى بإعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها. سخر البعض من الطرح، واعتبر آخرون أن المجتمعات العربية أكثر تماسكًا من أن تنال منها مثل هذه المخططات. لكن المشهد اليوم يدفعنا إلى إعادة النظر. فمن العراق إلى سوريا، ومن ليبيا إلى السودان، ومن اليمن إلى لبنان، مرورًا بفلسطين، شهدت المنطقة حروبًا وانقسامات وصراعات تركت آثارًا عميقة على الدول والمجتمعات. وبغض النظر عن الجدل حول حقيقة «الفوضى الخلّاقة» وحدودها، فإن النتيجة التى نراها أمامنا هى أن أجزاء واسعة من العالم العربى عانت من التفكك والاستنزاف والتدخلات الخارجية. ليس المقصود أن كل ما حدث كان تنفيذًا لخطة أمريكية مرسومة بدقة، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك، كما أن أخطاءنا الداخلية لعبت دورًا كبيرًا فيما جرى. غير أن الحقيقة التى لا يمكن إنكارها هى أن هشاشة الداخل كانت البوابة التى عبرت منها الأزمات، وأن الدول التى ضعفت فيها الثقة بين الحاكم والمحكوم أصبحت أكثر عرضة للاضطراب والانقسام. وفى خضم هذا المشهد المضطرب، تبدو مصر، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية وضغوط هائلة، ما زالت واقفة على قدميها. قد تكون خطواتها مثقلة بالأعباء، وكأنها تستند إلى عكازين، لكنها لا تزال تحافظ على تماسك الدولة ومؤسساتها. غير أن هذا الصمود ينبغى ألا يكون مدعاة للاطمئنان الكامل، بل حافزًا لمزيد من اليقظة والإصلاح والعمل الجاد. إن المخرج الحقيقى من دوامة الأزمات لا يأتى من الخارج، بل يبدأ من الداخل. من ترسيخ قيم العدالة والشفافية واحترام القانون، ومن شعور المواطن بأنه شريك فى بناء المستقبل لا مجرد متفرج عليه.. فعندما تتصالح الأنظمة مع شعوبها، وتتصالح الشعوب مع أوطانها، يصبح من الممكن مواجهة التحديات بقوة وثقة. وعندما يتحقق هذا التوافق داخل الدول العربية، يصبح التعاون العربى أكثر قدرة على حماية المصالح المشتركة وصناعة مستقبل أفضل.. قد تكون الفوضى جاءتنا من الخارج أو استغلت ثغرات الداخل، لكن المؤكد أن الحل لن يأتى إلا من عندنا، من وعينا، ووحدتنا، وقدرتنا على بناء أوطان قوية تستمد قوتها من شعوبها.