«العالمي للفتوى»: ضعف الوازع الديني يتصدر تحديات البيئة الجامعية

المؤشر العالمي للفتوى في استطلاع للرأي على شباب جامعة العاصمة

الأربعاء، 24 يونيو 2026 - 10:55 ص

ناريمان محمد

أظهر استطلاعٌ للرأي أجراه المؤشر العالمي للفتوى بدار الإفتاء المصرية أن الإنترنت أصبح جزءًا أساسيًّا من الحياة اليومية لطلاب الجامعة؛ حيث أفاد (36%) من الطلاب المشاركين بأنهم يقضون ما بين (3 إلى 6 ساعات) يوميًّا على الإنترنت، بينما يقضي (31%) منهم أكثر من (6ساعات) يوميًّا عليه، مما يعني أن ما يقرب من ثلثي العينة يستخدمون الإنترنت لفترات طويلة بشكل يومي. أما على مستوى المنصات الأكثر استخدامًا بالنسبة للطلاب فقد تصدرت منصة (تيك توك) قائمة الاختيارات بنسبة (30%)، تلتها (فيسبوك) بنسبة (24%)، ثم (إنستجرام) بنسبة (23% )، وأوضح مؤشر الفتوى أن هذه الاختيارات أعطت مجموعة من المؤشرات أظهرت تغيرًا في تفضيلات الشباب نحو المحتوى المختصر والتفاعلي، بما يفرض على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية تعزيز حضورها الرقمي وتبني أساليب تواصل أكثر قدرة على الوصول والتأثير. ضعف الوازع الديني يتصدر تحديات البيئة الجامعية تصدرت مسألة ضعف الوازع الديني بنسبة (56%) قائمة التحديات التي تواجه الطلاب في البيئة الجامعية، متقدمة بفارق واضح على بقية التحديات الأخرى. كما أشار الطلاب المشاركون إلى وجود مجموعة من التحديات السلوكية والاجتماعية، حيث جاءت السلوكيات غير المنضبطة بنسبة (24%)، بينما سجل إدمان الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي (11%)، وحصلت العزلة الاجتماعية على (9%) من إجمالي الاستجابات. وتعكس هذه النتائج إدراكًا متزايدًا لدى الشباب لأهمية البعد القيمي في بناء الشخصية وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي، في الوقت الذي تفرض فيه التحولات الرقمية تحديات جديدة على أنماط التواصل والسلوك اليومي. كما شملَ استطلاع الرأي الذي أجراه مؤشر الفتوى في مايو 2026م (229) طالبًا وطالبة من كلية الآداب بجامعة العاصمة من مستويات دراسية مختلفة، بما يتيح قراءة واقعية لاتجاهات الشباب الجامعي في مرحلة عمرية تُعد من أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل الهوية الفكرية والدينية. وقد أُطلق استطلاع الرأي عقب مبادرة بدأها فضيلة الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية بمحاضرة عامة لطلاب جامعة العاصمة حول "الوعي الديني وقضايا الشباب" للرد على التساؤلات التي تشغل أذهان الشباب، التي جاءت انطلاقًا من حرص دار الإفتاء المصرية على حماية الوعي الجمعي عبر رصد اتجاهات الرأي العام في القضايا الدينية والفكرية والاجتماعية، وتعزيز فهم التحديات التي تواجه الشباب الجامعي في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي والمجتمعي. حضور واضح للقيم الإيجابية داخل المجتمع الجامعي وحول القيم الإيجابية في الوسط الجامعي فقد أكد (61%) من الطلاب على وجود احترام للرأي الآخر داخل البيئة الجامعية، بما يعكس مستوى من النضج في الحوار والتفاعل بين الطلاب، كما أشار (51%) منهم إلى وجود مشاركة في العمل التطوعي، فيما رأى (44%) أن القيم الأخلاقية مثل (الأمانة والاحترام والمسئولية) لا تزال حاضرة داخل المجتمع الجامعي بدرجات متفاوت، وبالتالي فقد عكست هذه النتائج أن البيئة الجامعية لا تزال تمتلك مقومات إيجابية يمكن البناء عليها في تعزيز ثقافة الحوار والانتماء والمسئولية المجتمعية لدى شباب الجامعة. وبالرغم التحديات التي رصدها استطلاع الرأي؛ فإن حضور القيم الإيجابية بهذه الصورة يعكس وجود أرضية مجتمعية وثقافية داعمة يمكن البناء عليها في تطوير المبادرات التوعوية والتربوية الهادفة إلى إعداد شباب أكثر وعيًا وانخراطًا في قضايا مجتمعه. ثقة متزايدة في المؤسسات الرسمية ومصادرها الرقمية ورغم التحديات التي تواجه القيم الدينية أظهرت النتائج أن الصفحات والحسابات الرسمية للمؤسسات الدينية تمثل المصدر الأبرز للمعلومات الدينية لدى الطلاب، حيث يعتمد عليها نحو ثلثي المشاركين، بما يعكس مستوى مرتفعًا من الثقة في الخطاب المؤسسي عبر المنصات الرقمية. وفي سياق متصل، أظهر الاستطلاع أن غالبية الطلاب لم يسبق لهم التعرض لفتاوى غير دقيقة أو غير واضحة عبر وسائل الاتصال، في حين أفاد (38%) بتعرضهم لمثل هذه الحالات، كما كشفت النتائج أن الاتجاه الغالب لدى الطلاب عند مواجهة الفتاوى غير الواضحة يتمثل في التحقق والرجوع إلى أكثر من مصدر موثوق قبل تبني أي رأي أو موقف، وهو ما يعكس تنامي الوعي بأهمية التثبت من المعلومات الدينية ومراجعة مصادرها. فجوة بين المعرفة والتطبيق كما كشف استطلاع الرأي عن وجود فجوة بين المعرفة الدينية والتطبيق العملي لدى بعض الطلاب؛ حيث جاءت عبارة "أعرف الصواب لكن لا أستطيع تطبيقه" في المرتبة الأولى بنسبة (58%)، كما أبدى (27%) من الطلاب ترددًا في طلب الفتوى الدينية بسبب تعدد الآراء حولها، بينما أشار (14%) إلى وجود تخوف من طرح الأسئلة المرتبطة بالقضايا الحساسة. لذا فقد أوضح مؤشر الفتوى أن الإشكالية هنا مرتبطة بعملية الممارسة الدينية أو التطبيق الصحيح لتعاليم الدين، مما يتطلب جهدًا إضافيًّا في بيان التطبيق العملي للقيم الدينية، وأن الأمر لا يجب أن يقف عند إصدار الفتوى أو المعلومة الدينية إنما يجب أن يصاحب ذلك آليات واضحة للتطبيق الصحيح لهذه التعاليم، إذ الخطأ فيها يعد بوابة رئيسية للانحراف عن جادة الصواب والميل إلى أي شكل من أشكال التطرف إما تشددًا أو تساهلًا.  القصص الواقعية الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي وحول أكثر الوسائل تأثيرًا في تشكيل الوعي الديني والفكري لدى الشباب، جاءت القصص الواقعية في المرتبة الأولى بنسبة (39%)، تلتها الجلسات الحوارية مع رجال الدين بنسبة (23%)، ثم الفيديوهات القصيرة بنسبة (22%)، بما يعكس تفضيل الشباب للمحتوى التفاعلي القريب من الواقع، مقارنة بالأساليب التقليدية المعتمدة على التلقي المباشر أو المحتوى النصي المطول. التعامل بين الجنسين والسوشيال ميديا في مقدمة التساؤلات الدينية الملحة وحول التساؤلات الدينية أو القضايا الدينية التي شغلت أذهان الشباب ويبحثون لها عن إجابات تصدرت أسئلة الطلاب عن حدود التعامل بين الأولاد والبنات في الجامعة قائمة هذه الموضوعات بنسبة (22%)، فيما جاءت التساؤلات عن قضية الحلال والحرام على مواقع التواصل الاجتماعي في المرتبة الثانية بنسبة (19%)، تلتها ضغوط الأسرة وتعارضها مع الرغبات الشخصية لهم بنسبة (16%)، ثم الحرية الشخصية وحدودها بنسبة (13%).  كما برزت قضايا أخرى ذات أبعاد نفسية وسلوكية، مثل الاكتئاب والتفكير في الانتحار بنسبة (9%)، والغش باعتباره وسيلة للنجاح بنسبة (8%).  وتكشف هذه النتائج عن اتساع دائرة التساؤلات التي تشغل الشباب، وتؤكد الحاجة إلى خطاب ديني معاصر قادر على الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم التحولات الاجتماعية والرقمية التي يعيشها الجيل الجديد، وضرورة التعامل بإيجابية حول ما يثار في أذهانهم من تساؤلات. وفي الختام خلص المؤشر العالمي للفتوى إلى أن ما رصده هذا الاستطلاع من معطيات تعكس مشهدًا مركّبًا لوعي الشباب الجامعي؛ وعيٍ يتسم بالحضور والمعرفة والبحث عن المصدر الموثوق، في مقابل تحديات متصاعدة تفرضها التحولات الرقمية وما يصاحبها من إشكالات قيمية وسلوكية. حيث أكد مؤشر الفتوى أن هذه النتائج لا تقتصر على توصيف الواقع، وإنما تضع أمام المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية مسئولية مضاعفة في تطوير أدوات الخطاب والتواصل، وتعزيز الحضور الرشيد في الفضاء الرقمي، وبناء خطاب توعوي قادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الفهم الصحيح والتطبيق العملي. كما شدد على أن الاستثمار الحقيقي في وعي الشباب يبدأ من دعم الثقة في المؤسسات، وتوسيع مساحات الحوار، وتقديم محتوى ديني أكثر ارتباطًا بسياقاتهم اليومية، بما يسهم في بناء جيل يمتلك وعيًا متوازنًا، يجمع بين صحة المعرفة، ونضج الفهم، واستقامة الممارسة.